الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
قدر الرياض أن تصبح اختيار العالم ووجهتهم، كما كان قدرها أن تصبح عاصمة أعظم وحدة سياسية عرفها التاريخ الحديث في المنطقة ومركزًا للقرار ومصدرًا للاستقرار الإقليمي والدولي، ومهد لها أن تتبوأ هذه المكانة المرموقة في العصر الحاضر الحقبة الذهبية التي عاشتها حينما كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – أميرًا لها ويدير شؤونها على مدار أكثر من خمسة عقود فنقلها من عاصمة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 90 ألف نسمة إلى أن أصبحت تضاهي عواصم العالم الكبرى سياسيًا وعمرانيًا واقتصاديًا وحضاريًا وثقافيًا ويسكنها أكثر من 7 ملايين نسمة.
اليوم نحن على أعتاب مرحلة جديدة لهذه المدينة المتوثبة التي ينتظرها الكثير من الحراك والعمل، فعرّاب الرؤية والقائد الملهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – جعل الرياض أحد فصول روايته العظيمة “السعودية .. أعظم قصة نجاح في القرن 21 “، هذه الرواية التي لا يمكنك أن تتخيل أحداثها، وتجبرك على أن تستمر مشدوهًا بكل فصولها وتفاصيلها.
كلنا نعرف أن معرض إكسبو العالمي كان منصة لعرض الاختراعات المبتكرة في العالم والتقنيات الجديدة ومنها الهاتف والسيارة والآلة الكاتبة والتلفزيون والمصعد، وكذلك المعالم الحضارية التي لا تزال أيقونة للمدن التي أقيم فيها مثل برج إيفل وتمثال الحرية، ولكن رمزية إكسبو الرياض تكمن في عنوانه “حقبة التغيير: معًا نستشرف المستقبل” .. حيث في هذا العام يكتمل عِقد رؤية السعودية 2030 ليكون فرصة سانحة لعرض رحلة التحول التي عاشتها المملكة، ليعيش أكثر من 40 مليون زائر المستقبل الذي حققته الرؤية بمختلف مراحلها وشارك فيها المجتمع السعودي بكافة شرائحه، ولعلها فرصة ليتعرف العالم كذلك على وجهتنا القادمة (رؤية السعودية 2040).. أستطيع أن أقول بأن العالم اختار السعودية لكونها أصبحت تمثل النموذج الأبرز عالميًا في “استشراف المستقبل“.
ما أكثر المكاسب التي يمكن تحقيقها، والفرص التي يجب استغلالها، ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أنها لا تقتصر على المكاسب الملموسة مثل تعزيز السياحة والاستثمار، وتحفيز القطاعات الخدمية، وتعزيز فرص العمل، والتأثير الإيجابي على النمو الاقتصادي، ولكن هناك جوانب غير ملموسة نحتاج إلى الالتفات لها والتركيز عليها والعمل عليها من الآن وهي بناء العلامة التجارية للرياض وإدارة سمعتها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، ولا يخفى أن هذا التوجه يأتي ضمن البنود التي يعمل مكتب المعارض الدولية (BIE) الذي ينظم معارض إكسبو الدولية على الترويج لها بين الدول الأعضاء.
ومما يؤكد ما سبق أننا لا يمكن أن نفصل إكسبو الرياض 2030 عن السياق التاريخي لإقامة هذا الحدث العالمي، فقد مر هذا المعرض العالمي بثلاثة عصور، أولها عصر التصنيع ( 1851 – 1938 ) حيث ركز المعرض على التجارة وعرض أبرز الاختراعات و الاكتشافات العلمية والتقنية، وعصر التبادل الثقافي ( 1939 – 1987 ) واهتم المعرض بقضايا التبادل الثقافي بين الدول والشعوب، وعصر العلامة التجارية الوطنية ( 1988 – حتى الوقت الحاضر ) حيث تسابقت الدول على تحسين صورتها الوطنية وبناء علامتها التجارية التي تميزها عن غيرها؛ إذن نحن أمام فرصة سانحة وسط المنافسة المحمومة بين مدن العالم للبدء في وضع استراتيجية العلامة التجارية للرياض لتتكامل مع جهود التنمية الشاملة غير المسبوقة التي تشهدها المدينة.
من خلال اطلاعي على بعض الدراسات المنهجية للدول التي استضافت معرض إكسبو فإنها تثبت استفادة المدن المستضيفة في زيادة الاهتمام بها وتعزيز سمعتها وصورتها الذهنية على المستوى العالمي، وذلك من خلال اقتناص زخم التغطية الإعلامية الذي يصاحب افتتاح المعرض وما يسبقه؛ لأن استضافة مثل هذه المعارض العالمية يعد شكلًا من أشكال العلاقات العامة للمدن، وله القدرة على بناء أجندة الوسائل الإعلامية، وإحداث تأثيرات جوهرية في الأطر الإخبارية، بل والتأثير الجوهري في تحسين مواقف الوسائل الإعلامية تجاه صورة المدينة.
إذن كما أننا بحاجة إلى جهود مكثفة للوفاء بالتزاماتنا تجاه وعودنا في تقديم نسخة استثنائية لمعرض إكسبو الرياض 2030 فإننا بحاجة كذلك إلى جهود مضاعفة وعميقة تتظافر فيها جهود جميع القطاعات لبناء العلامة التجارية لمدينة الرياض وصورتها الذهنية وإدارة سمعتها، يجب أن نزاحم على المراكز الأولى في أشهر المؤشرات التي تقيس العلامة التجارية للمدن مثل Brand Finance City Index أو تصنيف The World’s Best Cities الذي تصدره شركة Resonance Consultancy .. وغيرها، وكما رأينا التكامل بين قطاعات الدولة في بناء ملف الترشح والعمل على تقديمه ودعم كافة جوانبه الفنية وبناء التحالفات لحصد الدعم والتأييد، فإننا كذلك نحتاج إلى تكامل أوسع لبناء علامة الرياض التجارية وسمعتها الدولية؛ لأن هذه المهمة لا تقتصر على النشاط الاتصالي والتسويقي فقط، ولكنها تتطلب تعزيز الأداء الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وبيئة الأعمال وجودة الحياة.
في حال كانت المسارات السابقة تعمل بشكل متناسق ومنسجم وفعال يأتي دور بذل الجهود الواعية والعميقة لبناء علامة الرياض التجارية وإدارة سمعتها، ومن ذلك الغوص في محاور عديدة من أهمها:
إن بذل مثل هذه الجهود لبناء العلامة التجارية للمدينة ليست طارئة أو مستحدثة، بل إن هناك محاولات أصيلة في هذا المضمار وإرث بحثي عميق عالميًا ومنها ما نجده في المجلة المحكمة “Place Branding and Public Diplomacy” التي تنشر دراسات حول تسويق الأماكن وتشمل العلامة التجارية للمدن كأحد محاورها الرئيسة، وكتاب “City Branding: Theory and Cases” لـ Keith Dinnie الذي يقدم نظرة عامة نظرية وعملية حول علامات تجارية للمدن من جميع أنحاء العالم، وكتاب ” The Branding of Cities” لـ Julia Winfield-Pfefferkorn الذي يستكشف مفهوم العلامة التجارية للمدينة وأهمية صورة العلامة التجارية .. وغيرها كثير.
المهمة السابقة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة، تحتاج إلى خطة عمل شاملة تبدأ من الآن وتنخرط فيها جميع الجهات المعنية للوصول بالرياض إلى العلامة التجارية التي تستحقها لتنافس كبرى العواصم العالمية، وليس هناك أفضل من الوقت الحالي للانطلاقة في ظل ما تشهده الرياض من مشروعات كبرى ستغير وجه المدينة، وما ستحتضنه من أحداث عالمية مثل معرض إكسبو 2030 وتنظيم كأس العالم 2034 .. وحزمة من الأنشطة والفعاليات التي تمثل منصات نموذجية لإطلاق العلامة التجارية للرياض وتسويقها وترسيخها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال