الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
منذ قديم الزمان لم يعش الانسان في عزلة عن غيره من البشر، بل ظل ضمن تجمعات بشرية لكل منها عاداتها وتقاليدها المختلفة عن الأخرى، لذلك كانت تحدث النزاعات بين أفراد هذه التجمعات البشرية، وكانت القوة هي الأساس في حسمها، فالقوي كان دائمًا هو المنتصر وصاحب الحق.
مع مرور الزمن تطورت المجتمعات حتى أخذت شكلها القبلي فكان يترأسها شيخها أو رئيسها، وكان يفصل في المنازعات التي تحدث بين أي فرد من أفرادها، أما المنازعات التي تحصل بين فرد أو أفراد من عشيرة أو قبيلة وفرد أو أفراد من عشيرة أو قبيلة أخرى، فكانت عادة ما تحل عن طريق الحرب بين العشيرتين أو القبيلتين، أو عبر وسائل التحكيم بين المتنازعين، ويقصد بالتحكيم هنا أنه اتفاق بين طرفين، على أن يتم عرض ما قد ثار من نزاع بينهما، أو ما قد يثور، على محكم، أو أكثر من محكم.
وقد قام التحكيم في حل المنازعات بدور مهم قبل الإسلام، فقد كان العرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام يعيشون حياة قبلية اتسمت بالتنقل والترحال سعيًا وراء الكلأ والماء، وهو ما كان له كبير الأثر على حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لذلك لم يكن نظام التحكيم في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام نظامًا قانونيًا منظمًا يتولى الفصل في منازعاتهم، بل كان نظامًا يعتمد على العادات والتقاليد القبلية، حيث كانت الخلافات والمنازعات تُحَل عن طريق الاحتكام إلى شيخ القبيلة أو شيخ العشيرة، وكان حكم شيخ القبيلة ينفذ على أفراد القبيلة لكونه صاحب مكانة بينهم أو خوفًا من سطوته وبطشه إذا كان صاحب جماعة قوية وكبيرة.
ولم يكن الاحتكام إلى شيخ العشيرة أو شيخ القبيلة هو الصورة الوحيدة للتحكيم عند العرب في الجاهلية، بل كان هناك احتكام إلى اشخاص اشتهروا برجاحة العقل، وجودة الرأي وسداده، وأصالة الحكم من أفراد القبيلة أو غيرها من القبائل الأخرى، أمثال أكثم بن صفي بن رباح، والأقرع بن حابس، وعامر بن الطرب، وقيس بن ساعده، وحاجب بن زراره، وعبد المطلب بن هشام وغيرهم.
كما كان الاحتكام الى مهارة الخصمين في مجال الفنون من تلك الوسائل، حيث كانت تدور بين أطراف النزاع أحيانًا مبارزات غنائية أو مساجلات شعرية على مسمع من المحكمين، وكان الطرف الذي يتفوق فنيًا على الطرف الاخر يعتبر هو الفائز وصاحب الحق ويُفصل في النزاع لصالحه.
ومن وسائل التحكيم الأخرى، استخدام أساليب فطرية تعتمد على عامل الصدفة المحضة، ومن بينها اطلاق طير في مكان معين فإذا سار باتجاه اليمين أو الشمال مثلاً يحكم لصالح أحد الطرفين ضد الطرف الاخر، وغير ذلك من أساليب التحكيم التي تعتمد على القوة والمهارة القتالية، حيث كانت تقام مبارزات بين المتخاصمين والذي يفوز في المباراة يعتبر صاحب الحق.
وكان التحكيم في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام وسيلة شائعة ومقبولة لحل النزاعات بين مختلف القبائل والمجتمعات في المنطقة، وكانت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام مجتمع قبلي لامركزي لا توجد فيه سلطة مركزية، لذلك كانت الخلافات أمرًا شائعًا، فكان التحكيم أحد الوسائل الأساسية لحل هذه النزاعات.
وشملت الجوانب الرئيسة للتحكيم في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام عدة أمور مثل العرف القبلي فقد كان لكل قبيلة أو عشيرة أعراف وعادات وتقاليد مختلفة عن أعراف وعادات وتقاليد القبيلة أو العشيرة الأخرى، حيث كان حل المنازعات عن طريق التحكيم متجذرًا بعمق في عادات وتقاليد القبائل العربية المختلفة وكان زعماء القبائل معروفين بحكمتهم وحيادهم في حل النزاعات، وكذلك وساطة المحكمين، فكان يتم التحكيم من قبل شيوخ أو زعماء قبائل معروفين بحكمتهم وخبرتهم وحيادهم ويستمع هؤلاء المحكمين إلى حجج الأطراف المتنازعة ثم يتخذون قرارًا أو يقترحون تسوية يُتَوقع من الأطراف قبولها.
كما كانت الدية من بين وسائل تسوية النزاعات في بعض الحالات من خلال دفع الدية لأسرة الضحية عن الضرر أو الخسارة التي لحقت بهم، ويتم تحديد قيمة الدية عن طريق التفاوض أو التحكيم، وأحيانًا يكون عبر الاحتكام إلى القصاص في حالات الإصابة الشخصية أو الأذى، وكان يتم تطبيق مبدأ القصاص أو الانتقام المتساوي، وكان المحكمون يحددون كيف يمكن للطرف المتضرر أو أسرته أن يسعى للانتقام بطريقة تعتبر متناسبة مع الضرر الناجم.
وعرف العرب قبل الإسلام أيضًا نظام الالتجاء إلى رجال الدين فقد كانوا يحتكمون للكهان الذين اشتهر منهم مطيع بن مارن وكانوا يحتكمون لرؤسائهم أحيانا كهاشم بن عبد مناف، وقد تحاكم عبدالمطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وقريش عندما نازعته في تجديد حفر بئر زمزم إلى كاهنة بني سعد بأشراف الشام.
والواقع أن نظام التحكيم في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام لم يكن مقننًا أو منظمًا، ولكن كان له قوة تنفيذية تأتي من قوة شيخ القبيلة أو شيخ العشيرة أو المحكم.
وقد اشترطت العرب في المحكم أن يكون من أهل الشرف والمجد والرئاسة والصدق والأمانة والتجربة والفهم، وكانت العرب لا تجد ضيرًا في التحاكم الى الكهان كما ذكرنا أو بعض النساء ممن عُرفن برجاحة العقل وحُسن الرأي.
ونتيجة الممارسة الطويلة للتحكيم عند العرب قبل الإسلام، يمكننا القول بوجود بقايا ديانات التوحيد عندهم، فقد توصلوا إلى بعض الأحكام والقواعد القضائية التي أقرها الإسلام فيما بعد، وهذا إن دل على شيء؛ فيدل على وجود الوعي بالحقوق والواجبات لدى العرب قبل الإسلام، فهذه العقلية الواعية هي التي أهلت هذه الأمة بأن تحمل راية الإسلام وتكون منارًا للهدى بعد ذلك.
وأخر دعوانا أن الحمدالله رب العالمين…
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال