الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تواصلت معي خلال الايام الماضية منصة عربية للتدريب بغرض عقد تعاون وعمل مشترك في التدريب وفق مسارات معينة وبنود تضعها المنصة، وذكر لي أن السوق السعودية هي الأعلى والمستهدف الأكبر لهم، لذلك تم عقد شراكات مع جهات سعودية لدعم تسويقهم والحصول من خلالها على شهادات معتمدة.
ولا أخفيكم شدة استغرابي من هذا الوضع جدا، إن كنا سنفتح المجال لمراكز التدريب الأجنبية (عربية كانت أم غير عربية) لدعم المحتوى المحلي في التدريب، فكيف يتم ذلك اذا كانت تلك المراكز تستهدف صناع المحتوى المحليين لسد هذه الفجوة؟، ان كان ولابد فالأولى بسوقنا منصاتنا ومراكزنا التدريبية وجامعاتنا، وأن يقوم بتدريب الخريجين والموظفين جهاتنا السعودية الحكومية والخاصة، فنحن الأعلم باحتياج السوق وما يمكن الموظف والخريج للعمل وما يطوره وفق امكانياتنا ورؤية 2030 المرنة والطموحة والمهتمة بتنمية الموارد البشرية، ومع توجه وزارة التعليم للخصخصة وجعل التطوير المهني مسؤولية الموظف، خاصة مع انتعاش التدريب الفترة القادمة واعتماده كأساس للتوظيف وداعم ومعزز لاكتساب المهارات.
ومن هنا برزت الحاجة للتدريب النوعي والموجه وفق احتياج مدروس ومدعوم بشهادات احترافية معتمدة من الجامعات العريقة والمعترف بها، لتسهيل الحصول على وظيفة أو الترقي في وظيفة حالية، أو لتطوير المهارات والمعارف وفق مهارات القرن الحادي والعشرون، وهذه تشكل فرصة استثماريه للجهات التدريبية لدخول السوق السعودي والمنافسة فيه، ومن منطلق استراتيجي يدعم الاكتفاء الذاتي وتطوير المحتوى المحلي فمن باب أولى أن يستغل السوق من جهاتنا التدريبية بمختلف تخصصاتها للاستحواذ على سوقنا وحمايته من الاجنبي الذي قد يغير هوية التدريب ويوجهه حسب متغيرات لا تخدم أهدافنا وطموحنا.
ومن هذا المنطلق اللحمة الوطنية، أود أن أقدم مقترح ليؤخذ به في تفعيل سوق التدريب القادم والذي يعد فرصة استثمارية واعدة تنعش الاقتصاد وتساهم في الرفع من الناتج المحلي إذا تم تصديره للعالم، حيث في هذا العصر بالذات الذي تتسارع فيه وتيرة التغيرات التكنولوجية والمهنية، تواجه المملكة تحديًا محوريًا في تحقيق أهداف رؤية 2030؛ ذلك التحدي هو تطوير وتعزيز برامج التدريب ما بعد التخرج والتوظيف.
وتشير التقارير إلى أن هناك قصورًا في أداء المؤسسات الحكومية والخاصة في تلبية هذه الحاجة الحاسمة، مما أدى إلى اعتماد متزايد على مراكز التدريب الأجنبية، وهذا التوجه ينطوي على مخاطر استنزاف الموارد والاعتماد الزائد على مقدمي خدمات قد لا يفهمون التحديات والفرص الفريدة لسوق العمل المحلي.
والتحدي الأكبر يكمن في الفجوة بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل المتطور، حيث تحتاج المؤسسات الحكومية والخاصة لمعالجة هذه الفجوة من خلال برامج تدريبية مصممة بعناية تركز على المهارات العملية والتقنية المطلوبة في الوقت الراهن والمستقبل. ويمكننا الاستناد إلى عدة مصادر وبيانات مهمة تبرز هذه الفجوة وجهود المملكة لتقليصها:
– تراجع معدل البطالة: تشير البيانات إلى أن معدل البطالة بين السعوديين قد انخفض إلى 8.3% في الربع الثاني من عام 2023، مقارنة بـ 9.7% في العام السابق، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في معدل بطالة النساء من 19.3% إلى 15.7% خلال نفس الفترة، ويُعتبر هذا التراجع دليلًا على تحسن توافق مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، لكنه يظل يشير إلى وجود فجوة معينة وواضحة تحتاج إلى مزيد من الجهود لسدها.
– زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة: تُظهر البيانات زيادة في مشاركة النساء في القوى العاملة، مما يعكس جهود المملكة لتحسين الفرص الوظيفية للنساء ودمجهن بشكل أكبر في الاقتصاد، وزيادة مشاركة النساء تسهم في تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق من خلال توفير المزيد من فرص العمل المتنوعة التي تتناسب مع تخصصاتهن ومهاراتهن.
– التركيز على التعليم والتدريب: تشير التقارير إلى أن السعودية قد وضعت أهمية كبيرة على تعزيز التعليم والتدريب في مختلف التخصصات، خصوصًا في مجالات إدارة الأعمال، والقانون، وكذلك الفنون والعلوم الإنسانية، وهذه الجهود تهدف إلى سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل عبر توفير تعليم وتدريب يتوافق مع احتياجات الاقتصاد والصناعة، ويجب تفعيل التدريب عن بعد.
– الاستثمار في المستقبل: تعكس الاستراتيجيات والمبادرات التي تنفذها المملكة، بما في ذلك رؤية 2030، التزام الحكومة بتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل من خلال الاستثمار في التعليم، والتدريب، وتوفير فرص عمل جديدة، تسعى المملكة إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام يمكنه استيعاب خرجيها.
من خلال هذه النقاط، يمكن توضيح الجهود المبذولة لتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل في المملكة العربية السعودية، وكذلك التحديات التي لا تزال قائمة والتي تحتاج إلى مزيد من العمل والتطوير، وتكمن الفرصة هنا في استلهام النجاحات من نماذج عالمية ومحلية في مجال التدريب المهني والتقني، وتطوير شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص. كما يمكن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لإنشاء برامج تدريبية مبتكرة تعزز المهارات الرقمية والتقنية للخريجين، وفيما يلي بعض الأمثلة عن كيفية مشاركة الجامعات في دول مختلفة مع القطاع الخاص لتعزيز فرص العمل وتحسين مهارات الطلاب:
– برنامج MIT والصناعة (الولايات المتحدة الأمريكية): يتميز معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بشراكاته الوثيقة مع القطاع الخاص، حيث يعمل على تطوير برامج بحثية تطبيقية ومشاريع تعاونية تسمح للطلاب بالعمل مباشرةً على حل التحديات الصناعية الحقيقية، مما يعزز فرصهم في سوق العمل.
– جامعة وارويك وشراكاتها مع قطاع الأعمال (المملكة المتحدة): تعمل جامعة وارويك على تعزيز التعاون بين الطلاب والشركات من خلال برامج التدريب والتوظيف، ومراكز الابتكار التي تجمع بين البحث الأكاديمي والتطبيقات الصناعية.
– شراكة جامعة تورنتو مع القطاع الخاص (كندا): تقوم جامعة تورنتو ببناء شراكات مع القطاع الخاص، بما في ذلك الشركات التكنولوجية والمالية، لتوفير فرص تدريب عملي للطلاب ودعم البحث العلمي الذي يؤدي إلى ابتكارات جديدة وفرص عمل محسنة.
– جامعة كيوشو والصناعة (اليابان): تتعاون جامعة كيوشو بشكل وثيق مع الصناعة لتطوير برامج تعليمية وبحثية تلبي احتياجات الشركات. من خلال هذه الشراكات، يحصل الطلاب على فرص للمشاركة في مشاريع بحثية تطبيقية، مما يعزز فرصهم الوظيفية بعد التخرج.
– جامعة تكنولوجيا سيدني والتعاون مع الشركات (أستراليا): تشجع جامعة تكنولوجيا سيدني الشراكات مع القطاع الخاص لتقديم برامج تدريبية تعكس احتياجات الصناعة الحقيقية. هذا التعاون يشمل مجالات مثل الهندسة، التكنولوجيا، والأعمال، ويهدف إلى تجهيز الطلاب بالمهارات اللازمة للنجاح في سوق العمل الديناميكي.
هذه الأمثلة تبرز الدور الحاسم للجامعات في تعزيز فرص العمل من خلال تطوير الشراكات مع القطاع الخاص، مما يوفر للطلاب فرصًا للتعلم العملي والتعرض للتحديات الصناعية الحقيقية، بالإضافة إلى تعزيز مهاراتهم وجاهزيتهم لسوق العمل.
ولتطوير شراكة فعالة بين الجامعات السعودية، ومراكز التدريب الخاصة، والقطاع الخاص بهدف سد فجوة التدريب والتقليل من الاعتماد على المراكز الأجنبية، يمكن اعتماد تصور مقترح يتضمن العديد من الاستراتيجيات المحورية:
– إنشاء مجالس تنسيقية مشتركة: تأسيس مجالس تنسيقية تضم ممثلين عن الجامعات السعودية، القطاع الخاص، ومراكز التدريب الخاصة لتحديد احتياجات السوق الفعلية وضمان توافق برامج التدريب مع هذه الاحتياجات.
– تطوير برامج تدريبية مشتركة: تصميم برامج تدريبية مشتركة تركز على المهارات المطلوبة في السوق، مع التأكيد على التدريب العملي والتطبيقي داخل الشركات والمؤسسات الخاصة.
– الاستفادة من التكنولوجيا والابتكار: الاستثمار في المنصات الإلكترونية لتوفير تدريب عبر الإنترنت يسمح بوصول أوسع وتعلم ذاتي مرن، بما يتماشى مع أحدث التقنيات والممارسات العالمية.
– تقديم حوافز للقطاع الخاص: تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في البرامج التدريبية من خلال تقديم حوافز ضريبية أو تسهيلات في اللوائح التنظيمية، مما يعزز الاستثمار في تطوير الموارد البشرية.
– تأسيس برامج تدريب متخصصة: إنشاء برامج تدريبية تتناول مجالات محددة ذات أولوية للتنمية الاقتصادية في المملكة، مثل التقنية المالية، الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي.
– تعزيز مشاركة الطلاب والخريجين: توفير فرص للطلاب والخريجين للمشاركة في مشاريع بحثية وتطبيقية بالتعاون مع القطاع الخاص، مما يعزز خبراتهم العملية ويحسن فرصهم الوظيفية.
– تقييم ومتابعة البرامج التدريبية: إجراء تقييمات دورية لبرامج التدريب المشتركة لضمان فعاليتها وتحسينها بناءً على التغذية الراجعة من الطلاب والشركاء الصناعيين.
ومن خلال هذه الاستراتيجيات، يمكن للجامعات السعودية والقطاع الخاص ومراكز التدريب الخاصة تطوير شراكة قوية تساهم في تحقيق الأهداف الوطنية للمملكة، وتعزيز قدرات القوى العاملة السعودية، وتقليل الاعتماد على المراكز التدريبية الأجنبية بشكل يضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي وتلبية احتياجات سوق العمل المحلي بكفاءة وفعالية.
كذلك من خلال متابعتي كمراقب متخصص في قطاع التدريب خلال الخمس سنوات الماضية، أرى جهوداً عظيمة يتم بذلها لتطوير التدريب وتحسين جودته والتوسع فيه، وتظهر تقارير المؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني تحسناً مبهراً في المؤشرات ذات العلاقة، ولكنها تظهر كذلك تعثراً مهماً في مبادرات حيوية كمعاهد الشراكات الاستراتيجية وتطوير حوكمة التدريب الأهلي، وهذا يعرقل بشكل كبير مساهمة القطاع الخاص والمراكز الأهلية في عملية التدريب، هذا بالإضافة الى ما اورده عدد من الباحثين في هذا الشأن من عدم تركيز المؤسسة العامة على الاستفادة القصوى من تجهيزاتها وبنيتها التحتية ومواردها البشرية والمادية بشكل كبير أدى الى ضعف المخرجات وبروز الحاجة الى الاستعانة بالمراكز الأجنبية.
ومن جانب آخر، نرى الجامعات تبذل الكثير في المشاركة في التدريب من خلال كليات المجتمع والمعاهد وحاضنات الاعمال التابعة لها، ولكنها تظهر قصوراً شديداً في قدرتها على التوسع خارج حدودها الجغرافية، وخارج فئاتها المستهدفة من الطلاب والخريجين، وربما لو ركزت الجامعات على مشاركة القطاع الخاص ومراكز التدريب الأهلية لاستطاعت وبفعالية أكبر في الانتشار جغرافياً واستيعاب الموهوبين من خارج المستهدفين الاعتياديين لديها.
وختاما السبيل نحو تحقيق رؤية المملكة 2030 يمر عبر تعزيز قدراتنا التدريبية والتعليمية. بالعمل المشترك والاستراتيجيات المبتكرة، يمكن للمملكة تجاوز الحواجز الحالية وبناء مستقبل مزدهر لأجيالها القادمة، وهذا ما يوليه أهتماهما كبيرا سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال