الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
نعيش في زمن تدور فيه حرب صامتة بين الشهادات والمهارات، وبين المؤهلات والخبرات. حرب صنعت سؤالًا محيّرًا يشغل بال مسؤولي التوظيف والباحثين عن العمل على حدٍ سواء. هل يُقيَّم الموظف بناءً على المؤهل العلمي والشهادات، أم المهارات العملية والخبرات المتوافقة مع الشاغر الوظيفي؟
بقدر تكرار هذا السؤال وقد يبدو للوهلة الأولى تقليديًا، إلا أنّ كثير من الفرص تُهدر من أمام مستحقّيها بسبب خلل في اتخاذ قرار التوظيف من عدمه، أو تقصير من الموظف في إبراز مؤهلاته أو مهاراته في سيرته الذاتية بما يناسب الوظيفة المطلوبة. وحتى لا أطيل في المقدمة دعونا ندخل مباشرةً في إجابة السؤال من خلال حصر العوامل التي تؤثر في تفضيل الشهادات أم المهارات أولًا:
أولًا ما طبيعة العمل، هل تعتمد على الجوانب الإدارية والعلمية أم الفنّية والإبداعية؟ ففي الحالة الأولى من المهم الاهتمام بالمؤهل العلمي بنسبة لا تقل عن 70%. فلا يمكن توظيف مهندس أو طبيب دون مؤهل علمي كافٍ مع عدم إغفال الجوانب المهارية والخبرات. أما في حالة الوظائف الفنّية والإبداعية فلا يمكن التركيز على المؤهلات العلمية، ذلك لأنّ الأصل هنا هو تطوّر الموظف من خلال التعلم الذاتي وتميّزه بموهبة أو علاقات في مجاله أو خبرات مكثفة زادت احترافيّته حتى لو لم يحمل مؤهلًا أو كانت شهادته بعيدة كل البعد عن تخصصه الوظيفي، وهذا يُلاحظ بكثرة خصوصًا في أيامنا هذه، مع شيوع تخصصات مثل البرمجة والتصميم وصناعة المحتوى وغيرها من المجالات التي تفرض فيها الخبرة نفسها، ويسود فيها ملفّ أعمال المتقدّم على سيرته الذاتية.
ثانيًا: في أي مستوى يقع الشاغر؟ وهنا تترجّح كفّة المؤهل العلمي نسبيًا كلما ارتفع مستوى الوظيفة ضمن الهيكل التنظيمي للجهة. مع أهمّية المهارات الإدارية والخبرة الطويلة التي تؤثر إيجابًا في قبول المتقدم للوظيفة.
السؤال الثالث: ما مجال الشركة، وما مدى حساسية الوظيفة وارتباطها بشكل مباشر أو غير مباشر على العمل الرئيس للشركة، و هل يؤثر الشاغر بشكل أو بآخر على منع الخسائر ودرء المخاطر والسلامة. هنا تكون الغلبة للخبرة الطويلة والمهارات المتقنة التي تقلل نسب الخطأ وترفع من جودة العمل المقدّم.
وهذا يقودنا إلى سؤالٍ أدق، على لسان الشاب حديث التخرج أو قليل الخبرة. كيف أُكمل دراستي العليا لأقطع شوطًا في مساري العلمي دون التأثير على وظيفتي، وإكمال مساري المهني وطموحي في التدرّج بالسلّم الوظيفي؟
للإجابة على هذا السؤال بدقة، علينا أن ندرس الدوافع ونتحكم في الحوافز. فحين يُكمل أحدنا درجة البكالوريوس يكون حافزه الأكبر الحصول على وظيفةٍ أولى وحجز مقعد له في سوق العمل، لكن بعد أن ينخرط في سوق العمل قد يخف شغفه بالدراسة ولذلك أقول:
أولًا: اصنع البوصلة!
ليس من السهل أن تعود إلى مقاعد الدراسة بعد أن تبلغ مبلغًا في مسارك المهني، لكن تذكر أن العلم لا يحدّه زمان ولا مكان، فاطلب العلم ولو في الصين، واطلب العلم ولو في الثمانين، واطلب العلم لأجل العلم أولًا، ثم التقدّم المهني والمكانة الاجتماعية وغيرها من الغايات التي ستأتيك تباعًا.
ثانيًا: أعد صناعة الحافز!
الصعوبة التي تجعلك بعيدًا عن هدفك تتمثل في تراكم المسؤوليات الاجتماعية والأسرية، لذا قد تكون أولى خطوات الحل في إشراك مَن حولك في اتخاذ القرار أولًا، ومنحهم الفرصة لدعمك ومساندتك في رحلتك، وسيحمل كلٌ منهم بعض الثقل عن كاهلك، دعمًا لمواصلة مسيرك نحو هدفك الأسمى.
ثالثًا: استثمر في التجربة.
إذا اخترت طريق العلم، ستواجه تحدّيات كثيرة، توقّعها واستعد لها، فقد تتعارض أوقاتك مع وقت الدراسة، وقد تُحرم من الترفيه أو ممارسة الهوايات في نهاية الأسبوع، وقد تتاح لك الدراسة في مدينة أخرى غير مدينتك. هذه التحديات جديرة بأن تولّد لديك مهارات إدارة الوقت والبحث عن الحلول الذكية، وترتيب الأولويات. ولو تأملتَ إنجازات الآخرين من حولك، تجدها لا تعتمد على قوة بدنية خارقة أو عبقرية ذهنية فذة، بقدر اعتمادها على رغبة متّقدة وإصرار متواصل ودعم وتشجيع، يُتوَّج كل ذلك بالشغف.
رابعًا: تعلّم لتكسب..
أثناء رحلة التعلم ستكسب الكثير من العلاقات التي تفيدك في مسارك المهني، وتتعرّف على دهاليز كانت غائبة عنك في تخصصك، إلى جانب البحوث العلمية والدراسات الجديدة والتوجهات المختلفة التي ظهرت بعد تخرّجك من مرحلة البكالوريوس. وهذه المعارف بلا شك رصيد معرفي يشكّل ثروة لعملك الحالي وينير مستقبلك المهني.
ومضة أخيرة..
استثمر في العلم، سواءً بالحصول على الشهادات المهنية المتخصصة، أو التدرج العلمي ومواصلة التعليم. فنحن نعيش بفضل الله في بلدٍ عظيم برؤية وقيادة عظيمة، مهدت طرق العلم من خلال الجامعات والبرامج التخصصية و المعاهد والكليات المعتمدة فهي تفتح أبوابها مساء كل يوم وتفتح أبوابها في عطل نهاية الأسبوع، تحفيزًا لطلبة العلم ودعمًا للراغبين الجادين في مواصلة تعليمهم. كما حرصت الدولة على تطوير مؤسسات التعليم والوقوف على مناهجها في تصميم هذه البرامج لتتلائم مع احتياجات سوق العمل والمهارات المطلوبة حيث أبدعت في إشرافها جهات متميزة مثل هيئة تقويم التعليم والتدريب والمركز الوطني للتعليم الإلكتروني ,والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني … ،
منذ الوهلة الأولى يتبادر إلى ذهن مدراء التوظيف على سبيل المثال لا الحصر برامج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وبرامج جامعة الملك سعود، وجامعة الملك فيصل، وكلية الأمير محمد بن سلمان، معهد الإدارة العامة وبرامج مسك، وهدف للقيادة، جامعة سليمان الراجحي وغيرها من المؤسسات التعليمية الخاصة والغير ربحية أو المنصات العالمية التي تقدم دورات في يحتاجها سوق العمل مثل مهارة : التعلم الفعّال وعقلية النمو , العمل الجماعي والتواصل , حل المشكلات بطريقة إبداعية , القيادة والتأثير , التفكير التحليلي و الابتكار ,
وختامًا، تذكّر أن العلم كالحلم، لا حدود له، والإنجاز كالماء البارد على الظمأ، يمحو ما سبقه من تعب ووصب.. وكُن بخير إلى أن ألقاك وقد بدأت خطتك التطويرية وبلغت حلمك المرتقب.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال