الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعد الابتكار ركيزة أساسية في بناء وتنويع اقتصادات الدول، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز جودة حياة المواطنين. كما تمر رحلة الابتكار عبر ثلاث معالم رئيسية، تبدأ بما يعرف بالبحث العلمي عن المعرفة أو الفكرة الجديدة، ثم تليها مرحلة تطوير الفكرة لتصبح نموذجاً أولياً صالحاً للتطبيق، وتنتهي بمرحلة الابتكار والتي يتم فيها تحويل المعرفة إلى منتج قابل للتسويق تجارياً.
يقود مرحلة البحث العلمي نخبة من الأكاديميين والباحثين في الجامعات والمراكز البحثية، حيث إن جل اهتمام هذه المرحلة هو السعي لإضافة معرفة جديدة، وذلك عن طريق اقتراح الأفكار المبدئية ودراسة جدوها بوضع الفرضيات، ثم إثباتها بالتحليل والمحاكاة. في حين أن نجاح هذه المرحلة يؤدي إلى إضافة معرفية للمجتمع العلمي. كما يزداد هذا النجاح رصانة إذا ما تم تتويجه بنشر علمي يتمثل في مقال أو الحصول براءة اختراع. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حصاد هذه الرحلة يعود نفعه على الباحث نفسه من خلال إبقاء النشر إرثاً علمياً يستفاد منه جيلاً بعد جيل، أو يعود الأثر على المجتمع والمنظمات من خلال تطوير القدرات المحلية في العلوم المتنوعة، وزيارة التنافسية في مؤشرات البحث والابتكار العالمية.
ثم ماذا عن إكمال رحلة البحث وتسويق مخرجاتها لتصبح ذات جدوى اقتصادية؟!
دعونا نتفق في بداية الأمر على أن عملية تسويق المعرفة الناتجة من البحث العلمي تواجه العديد من التحديات على المستوى العالمي، فتشير دراسة نشرتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن نسبة الاختراعات العلمية التي تم تسويقها تصل فقط إلى ٧٪ من مجموع الاختراعات التي تم تسجيلها. وعلى الرغم من قلة المخرجات الناتجة إلا أن بعضها كان له الأثر الكبير في تغيير حياة البشرية، بل وتولد منها عوائد اقتصادية طائلة تفوق أحجام الاستثمار الذي دفع فيها.
نظرة على الممارسات العالمية:
يوجد العديد من الممارسات العالمية التي يسنها ويشرعها صناع سوق الابتكار، والتي من شأنها توجيه عجلة البحث العلمي ليصبح ذا أثر مجدي ومستدام، وتجدر الإشارة هنا إلى بعض الممارسات:
1- توجيه دفة البحث العلمي: تتسابق الدول في دفع عجلة البحث العلمي عن طريق تحفيز الباحثين والأكاديميين بنظام المنح والمزايا البحثية، ويكمن الاختلاف بين الدول في جودة المخرجات البحثية وربط ناتجها بالمحتوى المحلي. ومن أجل ذلك، تقوم الوزارات والهيئات ذات العلاقة بوضع الأولويات والتوجهات الوطنية، ثم يلي ذلك وضع أهدافاً استراتيجية دقيقة للاستثمار في التقنيات ذات الأهمية الاقتصادية والبعد الاستراتيجي، كما يراعى في وضع الأهداف الدراسة والتحليل المستفيض والدقيق لتحديات سلاسل الإمداد على المستوى العالمي. يأتي بعد ذلك إطلاق حزم من منح البحث والتطوير يتم فيها إشراك القطاع الخاص والعام بالقطاع الأكاديمي، بحيث يكون هناك جسر للتواصل ما بين المخرجات البحثية والمستخدم المحتمل لمخرجات البحث والتطوير. وفي هذه المرحلة يتم وضع مؤشرات دقيقة يقاس بها نجاح المخرجات البحثية، وذلك من أجل تقويمها وربط الناضج منه في مسرعات الأعمال، كخطوة أساسية لتبني المخرج في الأسواق المحلية.
2- الاستثمار في واحات الابتكار: تهدف هذه الواحات الى خلق نظام بيئي يحفز احتضان المواهب وتسريع تبني الأفكار الناتجة من المختبرات، ونرى تسابق الدول في استضافة مثل هذه الحاضنات وإضفاء طابع التخصص من أجل تركيز الجهود المبذولة فيها. إلا أنا نلاحظ وجود التحديات في تطبيق نموذج عمل تلك الحاضنات، والتي تتمثل هذه في صعوبة الموازنة بين رغبات الأفراد في الابتكار وبين حاجة السوق وبين حاجة الدول نفسها لضمان المنتجات ذات الأولوية الوطنية في سلاسل إمدادها. وهذا قد يبدوا واضحاً في رغبات الأفراد والتي عادةً تبرز في المبادرات التي لها جاذبية أكثر، إما بسبب سرعة تطبيق الفكرة أو سهولة وصول المبتكر للمستخدم النهائي (مثل تطبيقات التوصيل وغيرها). وهذا لا يقلل من أهمية تلك المبادرات، لكن ينبغي هنا الموازنة وإعطاء أهمية للتقنيات المتقدمة والعميقة ذات الأولوية والاحتياج الوطني.
يكمن التحدي هنا في آلية جذب الأفراد والشركات الصغيرة نحو سوق التقنيات المتقدمة والعميقة، والذي يتسم بصعوبة الاستثمار فيه إما:
1- بسبب ارتفاع التكلفة الرأسمالية أو 2- تحديات تبني الأفكار في الأسواق المحلية. ونرى هنا أن المحرك والمحفز الأساسي للقطاع هو خلق سوق جاذب وحيوي بقيادة من القطاع الخاص. فيمكن لشركات القطاع الخاص أن تتولى زمام المبادرات الوطنية لدعم المحتوى المحلي، وذلك عن طريق توطين التقنيات المتقدمة إما ١) بالاستحواذ المباشرة على التقنيات، أو ٢) إنشاء برامج لنقل التقنيات بموائمة مع استراتيجية وطنية منظمة لهذه الجهود. وبمجرد امتلاك القطاع لهذه التقنيات سيتولد هناك العديد من التحديات والفرص لتحسين التقنيات والأنظمة المستحوذ عليها، وهنا سيتولد حاجة طبيعية للبحث والتطوير، يتم خلالها إطلاق حزم من المبادرات الموجه للمواهب الشابة لإشراكهم في حل تحديات نابعة من احتياج حقيقي للأسواق المحلية. كما أن هذه المبادرات سينتج عنها منفعة متبادلة بين الشركات والأفراد، وهي خلق بيئة تنافسية تنتهي بقصص نجاح يتم فيها الاستحواذ على الشركات الناشئة أو على الأقل احتواء للمواهب المتميزة. وفي الوقت نفسه تكون هذه الشركات قد ساهمت في تقليل أعباء أنشطة البحث التطوير المباشرة، وتمكنت من الاستفادة من المواهب الناضجة للتوظيف.
كما تجدر الإشارة أخيراً إلى أن نجاح سوق الابتكار قائم على جهود أصحاب المصلحة من مختلف القطاعات والاهتمامات، وهذا يستدعي من الهيئات ذات العلاقة إلى الموائمة بين الجهود من خلال وضع التشريعات والأطر التنظيمية التي تنظم علاقة أصحاب المصلحة من بداية خلق المبادرة وحتى وصول مخرجاتها بشكل حيوي ونافع للأسواق المحلية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال