الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تهدف رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي تم إطلاقها في أبريل 2016، إلى تنويع اقتصاد البلاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز التنمية الاجتماعية. وبعد مرور ثماني سنوات على إطلاقها، شهدت الرؤية إنجازات كبيرة في مختلف القطاعات، وكان أحد الأهداف الرئيسية لرؤية 2030 هو تقليل اعتماد المملكة العربية السعودية على عائدات النفط من خلال تطوير قطاعات أخرى. ويمثل طرح رؤية 2030 تحولًا كبيرًا في نهج التنمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية بعد عشر خطط تنمية وطنية خمسية متتالية. ورغم أن كلا الإطارين يشتركان في هدف دفع النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، فإنهما يختلفان في تركيزهما الاستراتيجي والآليات المستخدمة لتتبع وتقييم التقدم المحرز مع مرور الوقت. ومع إطلاق الرؤية في عام 2016، دخلت المملكة حقبة جديدة من التنويع الاقتصادي والتحول الاجتماعي، مبتعدة عن النموذج التقليدي المتمثل في الاعتماد على عائدات النفط، ونحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة وقائمًا على المعرفة.
تمثل رؤية السعودية 2030 وخطط التنمية الوطنية الخمسية إطارين استراتيجيين مهمين يهدفان إلى توجيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية. غير أن الرؤية تعد خطة طويلة المدى تحدد طموحات المملكة لتنويع اقتصادها المعتمد على النفط، وتسعى إلى تعزيز مجتمع نابض بالحياة، وجعل المملكة قوة استثمارية عالمية. وفي المقابل، فإن خطط التنمية الوطنية الخمسية عبارة عن خرائط طريق محددة وأقصر أجلًا تركز على تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية مستهدفة ضمن إطار زمني محدد. وينظر إلى الرؤية أنها تحويلية تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع السعودي بشكل أساسي من خلال برامج ومبادرات جريئة مثل الخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية، وتعزيز الشفافية ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة. ولقد قدمت الخبرة المكتسبة من تنفيذ خطط التنمية الوطنية الخمسية العشر دروسًا قيمة استرشدت بها صياغة رؤية 2030 . ومن خلال البناء على الإنجازات ومعالجة التحديات التي واجهتها خلال دورات التخطيط السابقة، تمكنت الحكومة من صياغة رؤية أكثر شمولًا واستشرافًا للمستقبل تتوافق مع الاتجاهات العالمية وأفضل الممارسات في مجال التنمية المستدامة، وهي تمثل خارطة طريق متكاملة تشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتهدف إلى جعل المملكة اقتصادًا متنوعًا وقادرًا على التكيف مع المشهد العالمي المتطور.
لقد كانت رؤية 2030 مبادرة محورية تقود التحول الاقتصادي والنمو في المملكة. وتهدف هذه الرؤية الطموحة إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز التنمية المستدامة في مختلف القطاعات. وكان أحد التأثيرات المهمة لرؤية 2030 هو دورها في تركيز الرؤية على تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمار الذي ساهم بشكل كبير في النمو القوي لإجمالي تكوين رأس المال الثابت، وتعزيز التوسع الاقتصادي، وعلاوة على ذلك في وضع الأساس لمعالجة عجوزات الميزانية العامة وتعزيز الاستدامة المالية. لقد أظهر إجمالي تكوين رأس المال الثابت، الذي يقيس القيمة الإجمالية لجميع السلع المنتجة داخل البلد والتي سيتم استخدامها للإنتاج المستقبلي، نموًا ملحوظًا من 0.63 تريليون ريال سعودي في عام 2016 عندما أُعلنت الرؤية إلى 1.02 تريليون ريال سعودي بحلول نهاية عام 2022، وهو ما يمثل زيادة استثنائية، كما أنها ارتفعت بنسبة 28.59% في عام 2022 وحده. ويمكن أن يعزى هذا النمو الكبير إلى الإصلاحات الاقتصادية المختلفة والمبادرات الاستراتيجية المبينة في رؤية 2030، والتي نجحت في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وبالتالي عززت هذا التوسع الكبير في تكوين رأس المال الثابت في البلاد.
ومن الجوانب الجديرة بالملاحظة في نمو إجمالي رأس المال الثابت في المملكة العربية السعودية الارتفاع الملحوظ في حصة الاستثمار من قبل القطاع الخاص غير النفطي. ففي عام 2022، ارتفعت مساهمة القطاع الخاص غير النفطي في تكوين رأس المال الثابت إلى 729 مليار ريال، مما يمثل قفزة كبيرة من 376 مليار ريال المسجلة في عام 2016. ويدل هذا التحول على نجاح الرؤية في تشجيع التنويع وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، والتي كان لها دور فعال في دفع نمو إجمالي تكوين رأس المال الثابت. ومن ناحية أخرى، لعب القطاع الحكومي أيضًا دورًا كبيرًا في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي في المملكة، ليصل إلى 152 مليار ريال في عام 2022. وهذا يدلل على التزام الحكومة بتطوير البنية التحتية والاستثمارات العامة كجزء من الأهداف طويلة المدى كما ورد في الرؤية. علاوة على ذلك، ساهم قطاع النفط، الذي كان تاريخيًا لاعبًا مهيمنًا في اقتصاد البلاد، بمبلغ 143 مليار ريال في تكوين رأس المال الثابت في عام 2022، والتي اشتملت على مصادر الطاقة المتجددة، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا نحو التنويع وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
الرسم البياني رقم 1: إجمالي تكوين الاستثمارات الثابتة حسب القطاعات
وفي السنوات الثماني الماضية، نفذت المملكة بنجاح إصلاحات مهمة لتحسين بيئة الاستثمار، ما أدى إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. وبتحليل إجمالي تكوين رأس المال الثابت في المملكة حسب نوعية الاستثمار، برزت الآلات والمعدات كأكبر مساهم، حيث وصلت إلى 295 مليار ريال في عام 2022. ويؤكد هذا التخصيص الكبير للآلات والمعدات جهود المملكة لتحديث بنيتها التحتية الصناعية والتكنولوجية، وتعزيز الإنتاجية، ودفع النمو الاقتصادي. وبعد ذلك مباشرة في المرتبة الثانية، شكل تشييد المباني غير السكنية 244 مليار ريال في تكوين رأس المال الثابت في عام 2022، مما يعكس حجم الاستثمارات المستمرة في المشاريع العقارية التجارية، والسياحية، والترفيهية، والصناعية. بالإضافة إلى ذلك، شهد قطاع معدات النقل استثمارات كبيرة بلغت 184 مليار ريال، مما يؤكد على مدى التركيز على تحسين البنية التحتية للنقل لدعم الأنشطة الاقتصادية وتعزيز الاتصال داخل المملكة، (الرسم البياني رقم 2).
الرسم البياني رقم 2: إجمالي الاستثمارات الثابتة حسب النوعية
أثبت برنامج التوازن المالي السعودي، والذي أعيدت تسميته لاحقًا ببرنامج الاستدامة المالية باعتباره حجر الزاوية في أهداف الرؤية، أنه عنصر حاسم في دفع الاستقرار الاقتصادي والنمو داخل المملكة. وكان أحد الإنجازات الرئيسية لهذا البرنامج هو تنفيذ الانضباط المالي الذي أدى تدريجيًا إلى الحد من تقلبات الميزان المالي كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نطاق يتراوح بين 2% إلى 5%. وكان هذا النهج المنضبط فعالًا في تحقيق الاستقرار المالي للبلاد والحد من التعرض للصدمات الخارجية. وفي عام 2021، وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية في أعقاب أزمة وباء كورونا، سجل ميزان المالية العامة عجزًا متواضعًا بنسبة -2.45%، مما يظهر فعالية البرنامج في إدارة الشؤون المالية. إنه قبل تطبيق برنامج التوازن المالي، واجهت المملكة اختلالات مالية كبيرة، حيث بلغ العجز المالي -15.8٪ في عام 2015. ومع ذلك، فمن خلال الإصلاحات الاستراتيجية والإدارة المالية الحكيمة في إطار البرنامج، شهد الوضع تحولًا ملحوظًا. وبحلول عام 2023، انتعش ميزان المالية العامة ليصل إلى فائض قدره +4.75%، مما يسلط الضوء على نجاح البرنامج في تعزيز الاستدامة المالية والقدرة على الصمود في مواجهة حالات عدم اليقين الاقتصادي. ويوضح هذا التحسن الكبير الأثر الذي يمكن أن تحدثه سياسات المالية العامة المستهدفة في توجيه الاقتصاد نحو مسار أكثر استدامة.
إن إحدى السمات البارزة لبرنامج الاستدامة المالية هي دوره في إدارة سعر التعادل المالي، وهو الحد الأدنى لسعر النفط الذي يُمكِّن الحكومة من تغطية جميع أوجه الإنفاق. فمن خلال الإصلاحات المستهدفة، يهدف البرنامج إلى ترشيد النفقات وتعزيز مصادر الإيرادات وخفض عجز الموازنة. وعلى الرغم من التقلبات في أسعار النفط العالمية، فقد ساعد البرنامج على الحفاظ على نطاق سعر التعادل المالي مستقرًا نسبيًا بين 80 و90 دولارًا على مدى الفترة من 2016 إلى 2023. ويشكل هذا الاستقرار أهمية بالغة لضمان القدرة على التنبؤ المالي وتقليل اعتماد البلاد على عائدات النفط المتقلبة. علاوة على ذلك، لعب برنامج الاستدامة المالية دورًا رئيسيًا في حماية نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة من تقلبات أسعار النفط. لقد كان تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط هدفًا رئيسيًا لأجندة رؤية 2030، وكان الانضباط المالي الذي غرسه البرنامج فعالًا في دعم هذا التحول. وفي عام 2022، ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي إلى نسبة عالية بلغت 5.4%، مما يظهر مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة التحديات الخارجية. واستمر زخم النمو هذا في عام 2023، مع توسع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 3.8%، مما يؤكد فعالية البرنامج في دفع التنويع الاقتصادي والنمو المستدام، (الرسم البياني 3).
الرسم البياني رقم 3: سعر تعادل النفط للموازنة العامة ونسبة الميزان المالي إلى الناتج المحلي الإجمالي
إن تضييق الفجوة بين إجمالي النفقات وإجمالي الإيرادات ضمن برنامج الاستدامة المالية يجسد الالتزام بالانضباط المالي والإدارة المالية الحكيمة، حيث يهدف إلى اعتماد سياسة مالية معاكسة للدورات الاقتصادية وتجنب التقلبات الدورية. وكما يتضح من أرقام الربع الرابع من عام 2023، حيث وصل إجمالي الإنفاق إلى 395 مليار ريال سعودي بينما بلغ إجمالي الإيرادات 358 مليار ريال سعودي، فإن العجز الناتج البالغ 37 مليار ريال سعودي يسلط الضوء على جهود الحكومة لمواءمة إنفاقها تدريجيًا مع دخلها. ويدلل هذا الاتجاه نحو خفض العجز على اتباع نهج استباقي لتحقيق الاستدامة المالية، وبما يضمن إدارة الموارد المالية للحكومة بشكل مسؤول وبما يتماشى مع الأهداف الاقتصادية طويلة الأجل. إنه ومن خلال معالجة الاختلالات بين النفقات والإيرادات، تضع الحكومة الأساس لإطار مالي أكثر استقرارًا ومرونة، وهو أمر ضروري لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. علاوة على ذلك، فإن التخفيض التدريجي للعجز من خلال برنامج الاستدامة المالية يؤكد التزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتدابير السياسة التي تهدف إلى تعزيز توليد الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق. وإن هذا النهج المنضبط لا يؤدي إلى تعزيز الثقة في الآفاق الاقتصادية للمملكة فحسب، بل يضع المملكة أيضًا كنموذج للمسؤولية المالية على الساحة العالمية، الذي هو أمر ضروري لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، (الرسم البياني رقم 4).
الرسم البياني رقم 4: الميزانية العامة على أساس ربعي والميزان المالي
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال