الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لنبدأ من النهاية، من الأحاديث التي تدور اليوم، والتي نشطتها مقالة “بلومبرج” بأن السعودية بحاجة إلى تمويل إضافي لمشاريعها العملاقة، ولمقالتها بعد ذلك بأن “نيوم” دعت المصرفيين من كل أنحاء العالم للاطلاع على ما تحقق في “نيوم” على أرض الواقع عوضاً عن اكتفائهم بمقاطع موجزة عن مدينة المستقبل يشاهدونها من مكاتبهم على بعد آلاف الأميال.
لماذا أبدأ من هنا؟ حتى أتساءل بالمقابل: ما المشروع الضخم الذي ينفذ حالياً في أي بلدٍ من بلدان العالم الذي لا يحتاج إلى تمويل من المصارف؟ بل إن المشروع منذ إعلانه بيّن أنه سيستقطب استثمارات أجنبية بالنظر إلى طبيعة مدينة نيوم المستقبلية ومتطلباتها التقنية والبيئية؛ مما يستدعي تكاتف الجهود وبناء تحالفات استثمارية مع أطراف محلية وإقليمية وعالمية.
وإذا تمعنّا قليلاً نجد أن هناك نهجاً لتنفيذ تطلعات رؤية المملكة 2030: أن طموحاتنا ننفذها من خلال استراتيجيات وبرامج ومبادرات انطلقت من طموحات ترسم توجهاً لمستقبل تتموضع فيه السعودية في بؤرة العالم، ليس فقط اقتصادياً بل كذلك ما تقدمه من ثراء حضاري وثقافي وتميز يأخذها للعالمية في مجالات الرياضة والسياحة والترفيه، بالإضافة إلى قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، والتي لن تبقى مستقرة كما عهدناها على مدى العقود الماضية، إذ إن الثورة الصناعية الرابعة تعصف بالعالم، وفي ركابها ثورة أعتى هي الثورة الصناعية الخامسة، ثمة من لا يدرك أن ما عقدت السعودية العزم على تحقيقه هو مواكبة التطورات والتعامل مع تحدياتها، فمن رحم التحديات تولد الفرص.
ولبيان الفكرة، نتمعن في نهج السعودية المعمول به حالياً لتمويل أعمالها الرتيبة (Business-as-usual)، وطلباً للتحديد أعود إلى الماضي القريب للنظر في تعامل السعودية مع التحدي المالي الناتج عن تراجع إيراداتها النفطية بسبب تخفيضها الطوعي لإنتاجها من النفط، لتمويل ميزانيتها العامة لعام 2024. كان التعامل استمراراً لما سبق أن انتهجتهُ السعودية في تمويل ميزانياتها التريليونية المتتالية منذ عام 2018، فهي توسعية من حيث إنها تخصص مزيداً من الأموال للإنفاق الرأسمالي رغم تسجيل عجز، الأمر الذي يمكن اعتباره عجزا اختياريا، كونها فاضلت بين أمرين:
1- إما الإنفاق وفق ما هو متاح من إيرادات بحيث يكون هناك توازن تام بين الإيرادات والمصروفات، وفي حال اتباع هذا الخيار فلن تسجل الميزانية عجزاً، أو
2- الإنفاق وفق الاحتياجات التمويلية لبرامج تنموية واستثمارية حكومية تدعم تحقيق رؤية 2030 ومستهدفاتها.
وما تؤكده الممارسة، أن الخيار الثاني هو الذي فضلته الحكومة.
هذه السياسة المالية أصبحت واضحة عند الأخذ في الاعتبار أن توجه السياسة المالية التوسعية للحكومة يهدف للنهوض لمتطلبات تحقيق رؤية 2030، وهي متطلبات طموحة بطبيعتها، ما يستوجب تواصل الإنفاق على البرامج والالتزامات الجارية الأخرى دونما توقف أو حتى وهن، وليس وفقاً لما هو متاح من دخل الخزانة العامة.
ويرتكز هذا النهج إلى معطيات موضوعية تتيح للمملكة ممارسته، وهذه ميزة لا تمتلكها مجموعة كبيرة من الدول بما في ذلك دول ضمن مجموعة العشرين، إذ إن المملكة تملك الجدارة الائتمانية للتحرك ضمن فسحة مالية (fiscal space) مريحة، تمكنها من الاقتراض من السوق الدولية بأسعار من بين الأكثر تنافسيةً، وعادة تشهد إصدارات السعودية تغطيات بأضعاف السقف المطلوب استدانته. ومن جانب آخر، فمن أهم سمات الإنفاق التوسعي مواصلة زخم الإنفاق الرأسمالي، إذ من الملاحظ أن الارتفاع تجاوزت نسبته 29 بالمائة في عام 2023 مقارنة بعام 2022، ورصد 189 مليار ريال للإنفاق الرأسمالي لعام 2024.
وسريعاً، كيف كان أداء الاقتصاد في السنوات الأخيرة آخذاً في الاعتبار النهج السعودي المتطور في الإنفاق العام؟ لنأخذها تباعاً:
(1) عام 2024 الحافل بالتحديات الإقليمية، ومنها ما تعايشه السوق النفطية، وعلى الرغم من ذلك فإن المؤشرات تبين أن نمو الاقتصاد فيه سيكون إيجابياً، مدعوماً باحتمالية عودة الإنتاج من النفط للارتفاع وبتوقعات حفاظ الأنشطة غير النفطية على زخم النمو، حيث تجمع التقديرات على أن الاقتصاد السعودي سيحقق في عام 2024 نمواً إيجابياً في حدود 2 بالمائة، وأن معدل مؤشر الأسعار سيبقى مستقراً عند مستوى منخفض في حدود 2 بالمائة.
(2) عام 2023 انكمش الاقتصاد بحدود أقل من واحد بالمائة (0.9 بالمائة). تقلص الاقتصاد السعودي بسبب عدة عوامل رئيسية، وهي:
ولا بد من الاستدراك ببيان أن الأنشطة الاقتصادية غير النفطية قد واصلت نموها بمعدل 3.8 بالمائة في عام 2023، لكنه قصر عن تعويض الانكماش في قطاع النفط، الذي تقلص بنحو 9 بالمائة، فقد نما القطاع الخاص 4.3 بالمائة في عام 2023 متراجعاً من 5.7 بالمائة في عام 2022.
(3) عام 2022 حقق الاقتصاد السعودي أعلى معدل نمو بين مجموعة العشرين بنسبة نمو 8.7 بالمائة تبعته الهند بنسبة نمو 6.7 بالمائة.
أما اللافت اقتصادياً عند التمعن في أداء السنوات المشار إليها فهو أن القطاع غير النفطي قد نما نمواً متواصلاً دونما انقطاع: 6 بالمائة في عام 2021، 5.3 بالمائة عام 2022، 3.8 بالمائة في عام 2023. وكذلك الأمر بالنسبة لنمو القطاع الخاص لذات السنوات فقد كانت: 8.2 بالمائة، 5.7 بالمائة، و4.3 بالمائة على التوالي.
فيما يتصل بالمستقبل، فالنظرة الإجمالية تقول بأن يعاود الاقتصاد السعودي النمو هذا العام 2024 -كما سبقت الإشارة- بحدود 2.6 بالمائة مدفوعاً بالإنفاق الحكومي الكبير وبتصاعد نمو القطاع غير النفطي، وبتحسن أداء القطاع النفطي في النصف الثاني من العام. وأن يأخذ النمو منحنى تصاعديا يبدأ من عام 2025 بأن تتواتر جهود التنويع الاقتصادي استمراراً في تقليل الاعتماد على النفط، ويؤتي الاستثمار في استحداث أنشطة اقتصادية جديدة أُكله مساهمةً في استقطاب الاستثمارات الخاصة، وفي تعزيز تموضع السلع والخدمات السعودية عالمياً بما يحسن ميزان المدفوعات. وبوادر ذلك هو توافق التوقعات بأن يكون أداء الاقتصاد السعودي في عام 2025 من بين الأفضل في العالم، وتحديداً في المرتبة الثانية ضمن مجموعة العشرين، بعد الهند، بمعدل 6 بالمائة، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي التي صدرت مؤخراً-منتصف الشهر الجاري (أبريل 2024).
وفي المحصلة، فإن سياسة تعزيز الانفتاح الاقتصادي تتحرك بسمت يتسق مع الاستراتيجيات المعلنة، من خلال توفير العديد من الحوافز للمستثمرين المحليين والأجانب، والسعي دائما للارتقاء بجاذبية بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، عبر تسهيل إجراءات تأسيس الأعمال وإصدار التنظيمات واللوائح، واللجوء إلى خيارات جديدة لحفز النمو والتنويع الاقتصادي، مثل إنشاء أربع مناطق اقتصادية متخصصة ستشكل فرقاً في استقطاب الاستثمارات الأجنبية النوعية، هذا على سبيل المثال لا الحصر.
وبالقطع فإن قطاع الطاقة، ولا أقول النفط فقط، يحتل أهمية محورية في الاقتصاد السعودي، وسيبقى من خلال نهج مستقر، يعي التحديات الشاخصة أمام هذا القطاع، والسعي للمواءمة بين النمو والالتزامات ذات الصلة بالحياد الكربوني، ولذا فقد اتخذت المملكة مبادرات طموحة ذات صلة بالاقتصاد الدائري والأخضر والأزرق تعزز من مكانتها كلاعب عالمي الأهمية والتأثير.
وأختم بنقطتين:
الأولى-أنه منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 حتى الآن فإن مفاصل الاقتصاد كافة نمت إيجابياً بالأسعار الثابتة، سواء بمعيار معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أو على مستوى المكونات، وذلك على الرغم من تحديات هائلة من وزن جائحة كوفيد واضطراب سوق النفط والعوامل الجيوسياسية الإقليمية. وتحديداً، نجد أن الاستهلاك الخاص قد نما خلال الفترة 2017-2023 بنحو 21 بالمائة، إجمالي تكوين رأس المال الثابت (الاستثمار) بنحو 35 بالمائة، وكان نمو الاستثمار غير الحكومي خلال الفترة متفوقاً، حيث حقق نمواً خلال 2017-2023 قدره 59 بالمائة.
الثانية-أن ثمة مؤشر -في ظني- يبين جدوى التوجه، وذلك مع أن النجاحات تُعلن باستمرار على مستوى البرامج والاستراتيجيات والمبادرات والمستهدفات، التي عملت الرؤية جاهدةً لرسمها وتمكينها تشريعياً وتنظيمياً، ولدعمها مالياً منذ انطلاقتها، ومع الأخذ بعين الاعتبار كل ذلك فثمة مؤشر يبين أثر تلك الجهود في أرض الواقع الملموس هو مؤشر نمو القطاع غير النفطي، ومكون هذا المؤشر الأهم مصدره القطاع الخاص، الذي بدأ يأخذ مساراً مستقلاً لتسجيل نمو صحي مَحدود التَأثُر ببهلوانيات أسعار النفط، حيث سبقت الإشارة إلى النمو الكبير في تكوين رأس المال الثابت (الاستثمار الذي مصدره غير حكومي)، فضلاً عن أن القطاع الخاص أضاف 1.1 مليون وظيفة خلال عام 2023، وتجاوزت نسبة مشاركة النساء السعوديات 35.5 بالمائة، ووصول عدد الموظفين المواطنين المسجلين في سوق العمل إلى رقم قياسي قدره 2.3 مليون موظف نهاية يناير 2024وفقاً لمرصد العمل الوطني.
وفي نفس الوقت هناك توجه راسخ لدعم استزراع وحفز نمو قطاعات جديدة تحقق التنوع وتعمق مساهمة القطاع الخاص، وتزيد من تعقيد ما ينتجه الاقتصاد السعودي من سلع وخدمات، وفي ذات الوقت لها أثر إيجابي في ميزان المدفوعات مثل قطاع السياحة، الذي أخذ يسجل فائضاً، فيما ثمة أنشطة تتطلب مزيداً من الوقت لتثمر مشاريعها الجديدة، وذلك لطبيعة ضخامة وتشعب تلك المشاريع التي تتطلب سنوات لتجهيز البنية التحتية، وبعد ذلك استكمال الوحدات الإنتاجية (المدرة للإيرادات) حتى تنتج على طريق استعادة ما استثمر فيها على مدى زمني ممتد، وهذا ينطبق على المشاريع العملاقة كافة، مثل مشروع مدينة نيوم وما ينبثق عنه من مشاريع، ومشروع القدية والبحر الأحمر، ومشاريع قطاعي الصناعة والتعدين.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال