الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عام 1949م – شرق العالم – بعد حروب مدمرة حول العالـم قلبت التاريخ البشري والاقتصادي رأس على عقب استمرت لعقود من الزمن، وِلدت في ثنايا هذا الحطام دولة الاشتراكية والرأسمالية والمـاوية وحديث كل إصلاح ونمـو وبلاد الأسوار العظيمة، الصين الشعبية، ملهمة الشرق والعالم ووليدته الجديـدة التي لها من التاريخ القديم ما تتغنـى به للأبد، أرث مُبجل لا يُمـس. كانت الخمسينات والستينات الميلاديـة هي رحلة مخاض الصين التي ولِدت مرة أخرى كاقتصاد عظيـم في بداية السبعينات الميلادية وحتى بعد مـرور خمسين عامـا من البدايـة الا إنهـا لا تزال شابـة تـقارع الكبـار الولايات المتحـدة والهنـد والمكائن الألمانية وبلاد الشمس اليابان لتتـفوق عليهم جميعهـم وتتصـدر الترتيب أحيانـًا وأحيان ليس أقـل من أن تكون ثانيا.
قبل خمسين عامًا كانت الصين واقتصادها الهش يغرقـون في وحـل الشيوعية الإشتراكيـة، بمستويات فـقر عالية وانعدام بالفعالية الاقتصادية والتوظيف وزمن طويـل من الركود، حيث تم توجيـه جزء كبير من الاقتصاد من الدولة التي بدورها حددت أهداف الإنتاج وضبط الأسعار ومحاولة الاكتفاء الذاتي نسبيًا في الاقتصاد وذلك بحظر الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية من الدخول في السوق، أصابت هذه القرارات الاقتصادية المركزية شلل كامل للاقتصاد، لذلك سجل نمو الاقتصاد الصيني طيـلة ما يزيد عن عقدين من الزمن نسبة نمو حقيقية في الناتج الإجمالي المحلي 4.4% فقط، بالإضافة الى تسجيـل الكثير من العوامل الاقتصادية الضعيفـة في تلك الفترة منها انخفاض نصيب الفرد من الإجمالي والأوضاع السياسية السيئـة والانخفاض الهائـل في مستوى المعيشـة الصينية. ليستمر هذا الهزل الاقتصادي حتى بدأت الشـرارة التي أشعلت كومة القش الصينية وذلك بالانفتـاح الاقتصادي للصين الشعبيـة على الاقتصاد العالمي ودخول الاستثمار الأجنبي وإصلاحات السوق الحـرة التي بدأت في منتصف السبعينات الميلادية ليستمر هذا النمو حتى اليوم بنسبة مستمرة في الصعود.
في بداية تاريخ الإصلاحات الاقتصادية 1979م سجل الناتج المحلي الصيني 260 مليار دولار في 1979م، وبعد عقدين من الزمن وفي مطلع القرن الجـديد سجل الاقتصاد الصيني التريليون دولار الأول بنسبة نمو بلغت أربعة أضعاف، وبنمـو بثمانية عشر ضعف مقارنة مع العام الماضي 2023م. من المتوقع أن يستمر النمو الصيني، ولكن ليس كما هو الماضي فالمتوقع أن ينمو في مدى 4-5% سنويًا كمتوسط حتى عام 2029م. حصر الاقتصاديون هذا النصر المجيـد المعقـد لاقتصاد الصين في عنصرين، الأول هو الاستثمار الرأسمالي الهائل القادم من الاستثمارات الأجنبية والمدخرات المتراكمة المحلية الصينية التي تركتهـا الشيوعية في معزل عن الكفاءة والاستخدام الأمثل. أما العنصر الأخر فهو كفاءة ونمو الإنتاجية الصينية التي كانت في سُبـات طويل برفقـه الشيوعية حتى نهضت بـقوة بسبب أعادة تخصيص الموارد الى أنشطة أكثر إنتاجية وصعود القطاع الخـاص والشركات لتسيطـر على الصناعات الصينية وتزيد التنافسية والبحث والتطـوير وتعمل على تعزيز الاستثمار الأجنـبي والأيدي العامـلة. الترابط بين هذين العنصرين الرئيسيين هو ترابط إيجابي متتابع فاذا أرتفع الاستثمار الرأسمالي ترتـفع غالبًا برفقتـه الإنتاجية وكفاءتهـا.
الرأسمالية والسوق الحرة وقفت طويلًا متأملـة الاقتصاد الصيني الخليط بين الرأسمالية والاشتراكية والذي بهذا المزيج سجل نمو هو الأعظـم عبر التاريخ ضاربـًا قواعد السوق الحرة عرض الحائـط بالإضافة الى قواعد الاشتراكية هي الأخرى، فالحكومـة الصينية في تقارير اقتصادية تشير الى انها تمتلك حصص مسيطرة وقويـة في عدة قطاعات في الصـين مثل التعديـن والنفط والاتصالات وغيرها من القطـاعات الجوهريـة، مانعـة بذلـك التنافس الحر وهو العنـوان الأبرز الذي تُبنـى عليه الرأسماليـة ونظرياتهـا. على الرغم من هذا الدور المركزي للصين في اقتصاد العالم الحديث الى أنها تواجه العديد من التحديات في المدى القصير والطويل أبرزها سوق العقارات الصيني الذي تعرض للعديد من الضربات الاقتصادية العنيفة، العوامل البيئية والتلوث والتحول الى الاستدامة والاقتصاد الأخضر يؤثر على الصين واقتصادها الغير مواكب لهذا النوع من التغييرات الجوهرية والأمر الأخيـر هو الشيخوخة السكانيـة ومتوسط الأعمار المرتفع للسكان.
صعود الصين الى قمة المنافسة العالمية أثار الضوضاء والانزعاج لدى الولايات المتحدة، الاقتصاد الاضخم على الاطلاق، حيث أن الصين الشعبية أصبحت ملجأ الشركات العالمية والتصنيع والإنتاج بسبب الأيدي العاملة ذات التكاليف المنخفضة والإنتاجية المرتفعـة لهذه القوى العاملـة وأسعار مدخلات الإنتاج المنخفضـة، بالإضافة الى أن دخول الصين بشكل قوي في مجال التكنلوجيا والتقدم العلمي والبحثي والقوى الناعمة وتأثيرها على العالم، وهي الميزة الأبرز والقوة القاهرة للولايات المتحدة بعد عملتها الدولار الـذي يُعتبر سورها المنيع التي من خلالـه تسيطر على العالم، كل هذه العوامـل تُشكـل خطر على الولايات المتحدة وتاريخـها الاقتصادي المتين. النمو السريع للصين والتقدم لـم يزيل الولايات المتحـدة من الوقوف على قمـة العالم على الرغم من نجاح الصين لفترة وجـيزة في تصدر العالم خلال مرحـلة الجائحـة، ولكن لم يستمر هذا الظـهور الا لفتـرة قصيرة حتى عاد المخـضرم – الاقتصاد الأمريكي – في القمـة من جديد.
تشيـر الدراسات الاقتصادية أن الصين على الرغم من التحديات الكبيـرة لديها، ولكنها تعمل على برنامج التحول من النمو السـريع الى التنميـة السريعة المرتبطة بالجـودة من خلال نقل القطاع العقاري إلى وضع أكثر استدامة والحد من مخاطر ديون الحكومات المحلية وذلك لرفع ثـقة المستهلك، الاهتمام بالرأس المال البشري والرعاية الصحية وتكافؤ الفرص بين القطاع الخاص والمملوك للدولـة، الانتقال الى الاقتصاد الأخضر الأكثر استدامة والمتوافق مع المعايير البيئية الدولية، بالإضافة الى أنها لا تزال الأرض الواعدة لاستثمار الشركات الأجنبية، حيث سجلت عام 2023م نمو في عدد الشركات الأجنبية القادمـة لها بنسبة نمو 40% على أساس سنوي، وهو معدل نمو عالي مقارنة مع بقيـة العالم. كل هذه العوامل تُـشير الى أن مستقبل الصين كماضيهـا، ستستمر في مطاردة العظماء، ويومـًا ما ستـكون بلا جدال في القمة كسورهـا العظيـم لتكون بذلـك عِماد للـشرق، ولكن كيف يكون الاستمـرار في القمـة لوقت طويل والوصـيف الولايات المتحدة!
اقتباس اقتصادي: “عندما تهب رياح التغيير، البعض يبني الجدران والبعض الآخر يبني طواحين الهواء.” – لي كه تشيانغ.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال