الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
هذا المقال يتناول الفصل الثالث من مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول مبدأ الإفصاح بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات. ويتلخص في إرشاد الشركات إلى نشر بياناتها وأهدافها وأرباحها وخسائرها وغير ذلك مما يتعلق بأعمالها، مثل: التعاقد مع أي طرف ذي علاقة، وأعضاء مجلس الإدارة؛ بما يجعل المستثمر على اطلاع وعلم بالشركة. والحقيقة أن الإفصاح هو قطب الرحى في الشركة حيث تتصل به كل المبادئ. ومع عدم إغفال قوانين الدول التي تعمل بها الشركات متعددة الجنسيات، طلبت مبادئ المنظمة من الشركات اتباع سياسات الإفصاح المعمول بها في تلك البلدان، مع عدم إغفال آراء المساهمين والعناية بالمعلومات والبيانات التي يطلبون الإفصاح عنها. وتحقيقاً لذلك ينبغي عليها إصدار تقارير دورية تفصيلية بانتظام ووضوح بشأن تلك المعلومات بما يجعلها قابلة للمقارنة مع مثيلاتها في المسائل الجوهرية، مراعية الاحتراز من الإخلال بمسائل السرية والمنافسة. ونلفت الانتباه إلى بعض المسائل الجوهرية التي يجب الكشف عنها، فيما يلي:
أهداف الشركة والمعلومات المتعلقة بالاستدامة، والنتائج المالية والتشغيلية، ورأس المال وهيكل الشركة وكيفية مراقبة الأداء، وملكية الأسهم الرئيسية وحقوق التصويت، وأعضاء مجلس الإدارة ومؤهلاتهم، وطريقة الاختيار، وعضويتهم في إدارة شركات أخرى، ومدى استقلالية العضو، ومكافآتهم وكبار التنفيذيين، وتعاملها مع أطراف ذي علاقة، والحوكمة ولوائحها، والقروض ومخاطر عدم الالتزام بالعقود والتعهدات، والمخاطر الأخرى الكبيرة وتأثيراتها على الشركة، وتحديد أولوياتها وتقييمها، مع وجود معايير في كيفية تحديد الأولويات، وإجراءات منع أو تخفيف تلك المخاطر أو الآثار المحتملة، والإجراءات المتخذة لتضمين المبادئ التوجيهية في الإدارة المختصة في الشركة، ومعلومات عن التدقيق الداخلي وأنظمة الامتثال القانوني، مع تتويج ذلك بمدقق حسابات خارجي سنوي مستقلٍ مؤهلٍ وفقاً لمعايير التدقيق والأخلاق والاستقلالية المعترف بها دولياً بما يُطمئن مجلس الإدارة والمساهمين بأن البيانات المالية سليمة من جميع النواحي الجوهرية، وبما يتوافق مع المعايير الدولية في تعزيز مصداقية الشركة، ولو تطلّب الأمر الحصول على شهادة تأكيد خارجية لهذه المعلومات.
ومعظم ما سلف مذكور في نسخة 2011 ولم تُضف نسخة 2023 سوى الإفصاح عن مسؤوليتها تجاه الاستدامة وما يتعلق بآثار أعمال الشركة على المناخ والبيئة؛ وذلك لأن الشركات اعتادت على إلقاء المسائل الاجتماعية والبيئية على عاتق الحكومات. فجاءت هذه المبادئ لتلفت الانتباه إلى مسؤولية الشركات عن ذلك، وأنها مساهمة إيجاباً أو سلباً في هذا الأمر. ولذا نجد بعض شركات السوق المالية السعودي ملتزمة بالإفصاح عن المسائل البيئية والاجتماعية وإن لم تكن بالعمق المرجوّ، إلا أنه سلوك محمود مشكور.
كل ذلك لأجل تقديم بناء مؤسسي يتسم بالشفافية، ومن ثم القدرة على مساءلة الشركات متعددة الجنسيات حول أدائها. ولا شك أن ذلك كله يسهم في رفع الوعي لدى جميع الفئات داخل الشركة وخارجها، ويُمكّن من قياس مدى استجابتها لمسائل الحوكمة ورعايتها للجوانب البيئية والاجتماعية، ومراقبة أدائها وأنشطتها من قبل الحكومة والأفراد، مما ينعكس إيجاباً على الاستثمار في البلد المضيف.
ومع أن المبادئ ذكرت عدداً من المعلومات الجوهرية التي يجب الإفصاح عنها، إلا أن ضابط ذلك تتباين فيه وجهات النظر؛ لذا جَعلت المبادئُ ضابطاً لما يُفصح عنه وهو المعلومات التي من المتوقع – وبشكل معقول – أن يؤدي إغفالها أو تحريفها إلى التأثير على تقييم المستثمر لقيمة الشركة. ويشمل ذلك جوانب عدة، مثل: التدفقات النقدية الحالية والمستقبلية، والوضع المالي للشركة بشكل عام، مع الأداء والاستدامة والحوكمة؛ فإن المستثمر يعتبرها معلومات جوهرية يبني عليها قراره في الاستثمار أو التصويت. كما أن المعلومات المتعلقة بمكافآت مجلس الإدارة والمسؤولين التنفيذيين تعدُّ أيضاً مصدر قلق لدى المساهمين، بما في ذلك العلاقة بين المكافآت وأداء الشركة وأرباحها ونموها.
ونظراً لما تقوم به بعض الشركات من تصرف غير مطمئن للمساهمين والمستثمرين، فإن المبادئ تنص على أن يكون الإفصاح عن المعلومات المالية دوريًّا وفي أوقات منتظمة. ولأن بعض الشركات تمنح أعضاء مجلس الإدارة وكبار التنفيذيين مكافآت مالية لا تتناسب مع أداء الشركة وتحقيقها للأهداف المتوقعة؛ بات هذا الجزء من التصرف مصدر قلق للمساهمين، وبالتالي كان من المتعيّن على الشركات وضع سياسات أو قواعد توضح ضوابط منح أو صرف المكافآت لأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين الرئيسيين على أساس موحد وقابل للمقارنة؛ حتى يتمكن المستثمرون والمساهمون من تقييم عدالة مكافآتهم. من جانب آخر، فإن وضع قواعد محددة في صرف المكافآت يجعل ثمة قدرة على تقييم جدوى تلك القواعد، وسهولتها أو صعوبتها، والبدائل الممكنة بما يتوافق مع أداء العضو أو المجلس، مثل: خطة حوافز، وخطة منح أسهم.
وفي سياق المعلومات الجوهرية يُعتبر التعامل مع أطراف ذات علاقة من المعلومات الجوهرية التي يجب الإفصاح عنها؛ ذلك أن علاقة الشركة مع هذا النوع من الأطراف يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على أنشطة الشركة وأدائها وحساباتها المالية.
وفيما يتعلق بالمخاطر، فإن الشركة مطلوب منها الشفافية في هذا الجانب بذكر المخاطر المتوقعة التي لو حصلت فإن لها تأثيرًا ما على الشركة، وتشمل تلك المخاطر ما يتعلق بالواردات من الخارج، أو صناعة منتجاتها، أو المناطق الجغرافية التي تعمل فيها، أو اعتمادها على سلع معينة أو سلاسل توريد. ويدخل في ذلك أيضاً مخاطر السوق المالية، مثل: أسعار الفائدة، والعملات، والمشتقات المالية، والتعاملات خارج الميزانية العمومية، والمخاطر السيبرانية والرقمية، ومخاطر عدم الامتثال؛ ومخاطر الاستدامة والمخاطر المتعلقة بالمناخ. وقد لا تكون المخاطر مالية، إنما متعلقة بموظفين أو أشخاص بتخصصات نادرة أو نحو ذلك.
وعلى النقيض، فإن الشركات غير مطالبة بالإفصاح عن معلومات يستفيد منها المنافس، أو ليست ضرورية في تقييم المستثمر أو المساهم لأداء الشركة أو المساهمة فيها. ومع ذلك يتعين عليها تجنب تضليل المستثمر أو القارئ بتقاريرها.
ختاماً: التغيير الجوهري الأكثر أهمية في مبدأ الإفصاح في نسخة OECD المنقحة عام 2023 للشركات متعددة الجنسيات هو الإفصاح عن كل ما يتعلق بالاستدامة وتأثير أعمال الشركة على المناخ، والتنوع البيولوجي. والغرض من ذلك هو مساعدة الشركات متعددة الجنسيات على تأسيس بناء مؤسسي يتسم بالشفافية، والمحافظة على البيئة، والعناية بحقوق المستثمر والمساهم، والقدرة على تقييم الأداء.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال