الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يشهد القطاع المالي في المملكة العربية السعودية نهضة تاريخية انطلاقًا من مستهدفات رؤية المملكة ٢٠٣٠ وما يصاحبها من برامج كبرنامج تطوير القطاع المالي؛ وذلك سعيًا إلى تنويع مصادر الدخل، وزيادة ثقافة الادخار، وتعدد طرق التمويل ومشاريع الاستثمار؛ حيث يهدف البرنامج إلى زيادة قوة وفاعلية المؤسسات المالية السعودية، وتطوير السوق المالية، وتحويلها إلى سوق عالمية. وقد انعكست نتائج البرنامج بشكل سريع على السوق المالي السعودي؛ حيث أصبح من بين أكبر 10 أسواق على مستوى العالم، وانضمامه إلى المؤشرات العالمية مثل “MSCI” و “S&P Dow Jones” و “FTSE Russell”.
ومن أهم التغييرات في القطاع المالي، والتي تعد شديدة الوضوح للأفراد، هو تحفيز الشركات الخاصة لطرح أسهمها للاكتتاب العام في الأسواق المالية؛ مما يساعد السوق على النمو في الحجم، ويساعد الشركات في استدامتها والتوسع في أنشطتها، ومما يعزز من إسهام القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي تحقيقًا لمستهدفات الرؤية (الوصول لنسبة إسهام ٦٥٪ في الناتج المحلي الاجمالي). ولا نغفل في هذا المقام الدور الجوهري الذي تقوم به هيئة السوق المالية من تذليل لصعوبات الطرح أو تطويرها المستمر للوائحها وأنظمتها؛ مما يحفز الشركات لخوض غمار الطرح، مما انعكس بشكل سريع على عدد الشركات التي خاضت أو ستخوض غمار الطرح الأوليّ في سوق الأسهم السعودي.
تقوم الشركات بطرح حصص من أسهمها للاكتتاب العام إما لبيع جزء من الملكية الحالية، أو جمع مبالغ الاكتتابات للضخ في الشركة، أو كلاهما معًا. ويجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية الشركات المطروحة في السوق السعودي حتى منتصف العقد الماضي كانت لبيع جزء من الملكية الحالية للشركات، وذلك للوصول للأهداف المطلوبة (الحوكمة اللازمة لضمان استمرار أعمال الشركات بشكل مستقل ومحايد، وتحت إشراف الجهات الرقابية المختصة، خاصةً مع تزايد الوعي لدى الشركات العائلية تجاه مخاطر انهيار الشركات العائلية بعد الجيل الثاني، وذلك لعدم وجود ضوابط وأنظمة محايدة تحكم قرارتها، أو لتزايد عدد الملاك المتحكمين بالشركات نتيجةً لتسلسل الأجيال من الآباء إلى الأبناء).
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على آلية تقييم الشركات والتي على ضوءها يتم تحديد النطاق السعري للاكتتاب، وذلك سعيًا لتعزيز فهم المبادئ الأساسية التي يُبنى على أساس قرار التملك من عدمه في الشركات المطروحة للاكتتاب عام. بالإضافة الى تقديم مقترحات من شأنها أن تطور في الثقافة المالية للمتعاملين في الأسواق المالية.
ومن أهم المعايير المستخدمة للتقييم والأكثر شيوعًا هو نموذج خصم التدفقات المالية والذي سنحاول أن نوضح مدخلاته الأولية بشكل بسيط لكي يسهل فهم النموذج للأفراد غير المتخصصين.
يستخدم نموذج التدفقات النقدية المخصومة التدفقات النقدية الحرة والتي تُعبر عن صافي النقد الناتج من العمليات التشغيلية للشركة بعد خصم نفقات رأس المال، وبالإمكان التعبير عنه بالنقد المتاح لحملة الأسهم وحاملي الديون. ويتم خصم هذه التدفقات بمقدار نسبة مئوية تُعبر عن متوسط تكلفة رأس المال المرجحة آخذةً بالاعتبار تكلفة حقوق الملكية، وتكلفة الديون، وتكلفة الأرباح المحتجزة. الجزء الأهم في نموذج التدفقات النقدية المخصومة هو أن التقييم يكون على أساس توقع التدفقات النقدية في السنوات القادمة آخذًا في الاعتبار معدل النمو السنوي للتدفقات المالية لعمليات وأنشطة الشركة والذي ينعكس على تقدير القيمة السوقية العادلة للشركات.
توقع النمو في التدفقات النقدية يختلف حسب نوع القطاع وعدد سنوات العمل للشركة والتكلفة الإضافية اللازمة لتحقق هذا النمو. على سبيل المثال، تستطيع أن تحقق الشركات التقنية نموًا فوق المعدل الطبيعي لقدرتها على رفع المبيعات بسرعة عالية ودون الحاجة إلى تكلفة رأسمالية لمواكبة هذا الارتفاع؛ حيث إن تكلفة التأسيس لهذه الأنظمة التقنية تكون في المراحل الأولية، كما أن ارتفاع المبيعات لا يستدعي ضخًّا كبيرًا في الأصول، ولنا في شركات تشغيل برامج توصيل الطلبات مثال مناسب لهذا النوع من الشركات. على العكس في قطاع التصنيع الذي يحتوي على طاقة إنتاجية قصوى لا يمكن تجاوزها بشكل كبير إلا من خلال استثمارات رأسمالية ضخمة لتوفير قدرة إنتاجية تواكب طموحات الشركات لتحقيق نمو مرتفع في التدفقات المالية، ولنا في شركات تعبئة المشروبات مثال مناسب لهذا النوع من الشركات.
في الغالب تتوقع الشركات نموًا في تدفقاتها النقدية وتختلف نسبة التقديرات بناءً على حجم أعمال الشركات وقطاعتها. وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال مهم جدًّا، هل الشركات في الواقع تحقق ارتفاعًا في تدفقاتها النقدية للسنوات ما بعد الإعلان عن نشرة الإصدار؟ من خلال مقارنه بسيطة للعديد من الشركات التي تم طرح أسهمها للاكتتاب العام في الأعوام الأربعة الماضية، نجد أنه هناك العديد من الشركات التي تحقق تدفقات نقدية أقل من التوقعات أو التقديرات أو من الأعوام السابقة للطرح العام. فبالتالي يُفترض في هذه الحالة أن يكون سعر الاكتتاب أعلى من القيمة العادلة للسهم نتيجة عدم الوصول للتوقعات المرجوة، خاصةً في حالة ما إذا كان الاكتتاب لغرض بيع حصة من ملكية الشركة دون ضخ جزء من حجم الاكتتاب لدعم مشاريع الشركة وزيادة إنتاجيتها.
ومن المعايير الأكثر شيوعًا هو استخدام نموذج مكرر الأرباح كدليل مقارنة مع الشركات المشابهة في القطاع، والذي يأخذ بالاعتبار الأرباح والقيمة السوقية للسهم. هذا النوع من المؤشرات لا شك أنه يقدم مقارنة يمكن الاسترشاد بها للتأكد من تقدير السعر العادل أو المقارنة مع الشركات المنافسة، ولكنه بوجهة نظر حيادية لا يصلح لمقارنه شركة للتو مطروحة للاكتتاب مع شركة مطروحة مسبقًا، وذلك لسهولة تتبع معدلات النمو المتوقعة للشركات المطروحة مسبقًا من خلال الإعلانات الدورية وجدية الإدارة في تحقيق مستهدفاتها، على خلاف الشركات التي للتو تطرح للاكتتاب العام والتي لا يوجد توقع واضح لنمو إيراداتها أو لعدم التأكد من قدرة الشركة على الوصول لخططها التوسعية المذكورة في نشرة الإصدار.
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية أن تتضمن نشرة الإصدار النمو المتوقع للتدفقات النقدية لكي يتاح للأفراد مقارنة الأداء الفعلي بالمتوقع، وأن يوضح بشكل تفصيلي معايير التقييم والتفاصيل المالية للإيرادات المتوقعة والتي تم تحديدها مع قِبل شركات التقييم بدلاً من الاكتفاء بتحديد النطاق السعري لاكتتاب المؤسسات والمؤهلين. بيان التوقعات بكل وضوح في نشرة الإصدار يتوقع أن يكون محفزًا للشركة للوصول لتوقعاتها مع الجمهور. بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يكون هناك مخلص تنفيذي لنشرة الإصدار من عدة صفحات يسهل على الأفراد الاطلاع عليه، بما يحتويه من معلومات أساسية أولية ومن ثم اللجوء إلى نشرة الإصدار الأساسية في حالة الرغبة بالحصول على تفصيل أكثر عن الشركة. أخيرًا، لا أعلم مدى إمكانية أن يتم وضع ضوابط على الشركات في حالة عدم تحقيق النمو المتوقع الذي بُني عليه سعر الاكتتاب بنسبة معينة كحد أدني (مثال: في حالة عدم تحقيق٥٠٪ من النمو المتوقع كحد أدنى).
في الختام، للوصول إلى سوق مالي محترف يجب أن يكون لدينا عدد كبير من المتعاملين المحترفين. وتطوير الأفراد المتعاملين بالسوق المالي يحتاج الكثير من العمل بدءًا من إيجاد منظومة محكومة بشكل جيد وانتهاءً بمتداولين مثقفين ماليًّا وقادرين على الحصول على المعلومات بشكل سلس وبتكلفة مقبولة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال