الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
إن المنجز الحقيقي الذي يسعى إليه المنظم السعودي، ليس تطبيق القانون، بل تفعيل العدالة؛ وشتان بين الأمرين. فالقانون يفرض العدل بالمنطق الذي كان يفكر فيه المنظم، ثم بالتقدير الذي يرتئيه القاضي؛ أما العدالة فهي المعنى الأسمى الذي يصل إلى إحقاق الحق بمنطق مثالي مطلق. أي أن العدالة تشبه المبادئ السامية التي يصعب تطبيقها بشكل كامل، لكن يسعى الجميع للوصول إلى أعلى مرتبة قريبة منها.ومن هنا، فقد يكون القانون بعيدا جدا عن العدالة رغم تطبيقه بحذافيره.
عندما يدخل طالب القانون إلى الكلية، فإن كل ما يتم تلقينه له هو كيف يطبق القانون على الوقائع والتعاملات، ابتداء من كيفية قراءة النص القانوني وتحليله واستخراج القواعد منه، ثم محاولة تطويره والابتكار فيه.كل هذه العمليات الذهنية والعملية في الواقع ما هي إلا تطبيق شكلي للقانون، فيمكن للحكم القضائي أن يخطئ التقدير، وبعدها يكون العدل القانوني بعيدا كل البعد عن العدالة الفعلية.
ففي القضاء التقليدي الورقي بالسابق، كان القضاء يطبق القانون من خلال محاكمات ذات إجراءات طويلة جدا، وقد تلغي هذه المدة الطويلة أية قيمة لحكم القاضي بعد اختلاف الظروف بفعل مرور الزمن، ففي مثل هذه الحالة يتم تطبيق القانون، لكنه يكون أبعد ما يكون عن العدالة المأمولة. والسبب في وقوع القضاء بهذه المفارقة والتناقض العملي هو الشكليات الإجرائية التي قد تكبل إرادة القاضي، وتجعل منه عاجزا فعليا حتى عن الإقرار بالعدالة التي يراها أمامه، لكنه يكون غير مخول بإقرارها في حكم قضائي رسمي.
على اعتبار أن المنظومة العدلية في المملكة هي منظومة ذات خصوصية ومرونة عالية، فهي -إلى حد قريب- لم تكن مقيدة بقوانين وضعية وإجراءات شكلية، كما هو عليه الأمر في دول القانون اللاتيني ذات التشريعات المفصلة غير المرنة. وحتى بعد اعتماد منهج التشريع في المملكة، فقد بقي للمبادئ الفقهية دور في منح الإطار التشريعي درجة من المرونة.
لكن بقيت مسائل لوجستية أكثر منها قانونية تشكل عائقا أمام العدالة؛ وهي الطبيعة الواقعية لإجراءات المحاكمات، والتي انتقلت من الأسلوب التقليدي إلى الالكتروني الكامل في المملكة.
وهكذا، فقد تم منح الإجراءات القضائية مرونة وسرعة فائقة، لم يكن يمكن حتى تصورها من بضعة سنوات؛ كل ذلك في إطار تحقيق عدالة ذات طبيعة ناجزة. وقد ذهبت المملكة أبعد من ذلك، حيث ابتكرت منهج جديد لتطوير المنظومة العدلية، ألا وهو: “العدالة الوقائية”؛ أي تلك العدالة التي تقي حتى من اللجوء للقضاء، العدالة التي تمنع من حدوث النزاع أصلا إذا كان الحق ظاهرا.وقد تم تطبيق هذا المنهج الوقائي فعليا، وكان ذو أثر مباشر على إنجاز العدالة بأسرع وقت وأقل تكاليف من جهة، وتخفيف الضغط عن المحاكم من جهة أخرى.
الواقع يقول بأن المملكة قد قطعت شوطا طويلا في تطبيق العدالة الناجزة، ومن ضمن أساليب ذلك النشاط التطويري هو الوقاية من المحاكمة من خلال منح العديد من المستندات صفة التنفيذ الفوري دون محاكمة. الحقيقة أن العدالة الناجزة ليست بالضرورة عدالة سريعة، بل هي العدالة بمفهوم الإنجاز الذي يحقق أعلى درجات العدالة بأقل إجراءات وأسرع وقت ممكن.
وقد يشتكي أحدهم من طول أمد إجراءات التقاضي في بعض القضايا ويرى اختصار الاجراءات القضائية من باب تسريع فترة التقاضي بحيث أنه يحقق العدالة الناجزة؛ ولكن الواقع هذا يجعل العدالة الناجزة بعيدة المنال.إذا كانت العدالة الناجزة تحتاج إلى سرعة إنجاز، فإنها قبل ذلك تحتاج إلى دقة في الإنجاز؛ فالمحكمة تتعامل مع حقوق الناس، وقد لا يكون هناك من مجال لتصحيح الخطأ القضائي أو التعويض عن الضرر الآتي منه. لذلك التمهل والتدقيق بالإجراءات القضائية يساهم في العدالة الناجزة أكثر من مخاطر السرعة. ختاما أن كلمة الفصل لجودة العدالة الوقائية ومساهمتها بتحقيق العدالة الناجزة هي لحسن تطبيقها، فالوقاية من المنازعة قد تساهم في إنجاز العدالة، لكن بالمقابل قد تلغي أية عدالة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال