الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
اقتصاد المعرفة هو نظام اقتصادي يتمحور حول إنتاج وتبادل وتقييم المعرفة. ويتميز هذا الاقتصاد بانخفاض أهمية تكاليف العمالة وعدم اعتماده على المفاهيم التقليدية مثل ندرة الموارد. ويعتمد نمو اقتصاد المعرفة بشكل أساسي على جودة وكمية المعلومات المتاحة وقدرة الوصول إليها. ويمكن تعريفه أيضاً بأنه نظام اقتصادي يرتكز على استخدام رأس المال الفكري في عمليات الإنتاج والاستهلاك. وعادةً ما يشكل اقتصاد المعرفة جزءاً كبيراً من الأنشطة الاقتصادية في الدول ذات النمو الاقتصادي المتقدم.
ويعود تاريخ اقتصاد المعرفة إلى خمسينيات القرن العشرين، حيث بدأ المصطلح بالانتشار عندما شهد قطاع الصناعة تطوراً على حساب قطاع الزراعة، مما أدى إلى ظهور قطاع اقتصادي جديد في الدول المتطورة أُطلق عليه اسم “مرحلة ما بعد الصناعة”. تم بناء القطاعات الاقتصادية الحديثة على أسس المعرفة، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، مما ساهم في تحقيق تطور كبير في النشاط والفكر الإنساني في مختلف المجالات.
في السابق، كانت الاقتصادات تعتمد بشكل رئيس على عوامل مثل رأس المال، والعمل، والأرض في عملياتها الإنتاجية. أما في الاقتصاد الحديث، المعروف باقتصاد المعرفة، فقد أصبحت المكونات الأساسية للإنتاج هي الإبداع، والمعلومات، والذكاء، والمعرفة التقنية. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، من المتوقع أن يزيد النمو الاقتصادي المعرفي إلى 2.6% في عام 2024، مع ارتفاعه قليلاً إلى 2.7% في عام 2025. في المقابل، من المنتظر أن تستمر الدول النامية في تحقيق معدلات نمو أعلى بمتوسط 4%، مما يعزز دور اقتصاد المعرفة في دعم النمو الاقتصادي المستدام وتحفيز الابتكار والإبداع، وذلك نتيجة اهتمام أكثر الدول باستخدام الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
يتميز اقتصاد المعرفة بعدة خصائص رئيسية؛ إذ تمثل المعرفة رأس المال الأساسي له، وتتميز بعدم قابليتها للاحتكار، وعدم تناقصها أو نفادها. يهتم اقتصاد المعرفة بالعولمة والتكيف مع رغبات العملاء، مع التركيز على تقديم الخدمات للمستهلكين. يعتمد على استخدام قوى عاملة متميزة بالقدرة على الإنتاج، وتشكل الاتصالات والمعلومات الأداة الرئيسية لتحقيق فاعلية المعرفة. بالإضافة إلى ذلك، يساهم اقتصاد المعرفة في رفع نصيب الفرد من الناتج الإجمالي الوطني، ويوفر بيئة تحفز المواهب والإبداع.
وتتجلى أهميته في اعتماده على تقنيات المعلومات بدلاً من الموارد ورأس المال التقليدية، مما ساهم في تحويل الدول النامية إلى دول متطورة وحديثة، وانعكس هذا التحول إيجابياً على التجارة الدولية.
استثمار التكنولوجيا والإبداع والتطوير أصبح دافعاً رئيسياً لدعم النمو الاقتصادي. فالمعرفة تصنف كعنصر أساسي لإنتاج وزيادة الثروة والإنتاجية، وتحسين الأداء، وتقليل تكاليف الإنتاج، وتطوير نوعية المنتجات من خلال استخدام الأساليب المتقدمة والوسائل التقنية. كما تدعم المعرفة الدخل القومي عبر إنشاء المشاريع ومتابعة عوائدها المالية، وتساعد في توليد الدخل الفردي من النشاطات المعرفية.
توفر المعرفة فرص عمل متنوعة ومتزايدة في المجالات المهنية التي تستخدم تقنيات تكنولوجية متقدمة، وتشجع على تحديث وتطوير النشاطات الاقتصادية، مما يدعم نمو الاقتصاد بسرعة. بالإضافة إلى ذلك، تساهم المعرفة في توسيع الاستثمار في مجالات المعرفة العملية والعلمية، وتقلل من الاعتماد على الموارد الطبيعية من خلال تطوير الموارد المعرفية. باستطاعة المعرفة أيضاً تغيير هيكلية الاقتصاد عبر زيادة الاهتمام بالإنتاج المعرفي والاستثمار في رأس مال المعرفة، وتعزيز الصادرات المعرفية.
ولدعم استمرارية وتطور اقتصاد المعرفة، يحتاج إلى مجموعة من المتطلبات الرئيسية، منها: بناء بنية اتصالات وتكنولوجيا معلومات قوية للمساهمة في إنشاء مجتمع معلوماتي، وتطوير القوانين لتتناسب مع احتياجات اقتصاد المعرفة. كما يتطلب تأسيس رأس المال البشري عبر توفير بيئة داعمة للمعرفة لتصبح العنصر الإنتاجي الأهم. ويتعين على المنشآت والمستثمرين إدراك أهمية اقتصاد المعرفة، مع ضرورة البحث عن المعرفة غير المتوفرة وتوفيرها. كذلك، يجب بناء نظام تكنولوجيا وعلم فعال، ودعم انتشار الثقافة الاجتماعية التي تشجع على الابتكار والإبداع والبحث والتطوير من خلال بيئة تفاعلية تحفز إنتاج المعرفة.
تشمل مؤشرات اقتصاد المعرفة مجموعة من المقاييس التي تعكس طبيعة الاقتصاد المستخدم وتساعد في إجراء المقارنات بين الدول لتحديد مستوى تطورها الاقتصادي. من أبرز هذه المؤشرات: نسبة المعرفة المدمجة في أسعار السلع والخدمات، معدل تجارة المعرفة ضمن الميزان التجاري لكل دولة، ومؤشرات توجه المجتمع نحو المعلومات مثل معدلات البنية التحتية التي تشمل شبكة الإنترنت، الهواتف، والمحتوى الرقمي. كما تشمل عدد حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، وعدد سنوات التدريب والدراسة المرتبطة بالمرحلة العمرية، ومعدل الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي على التطوير والبحث.
في الختام، يُعتبر اقتصاد المعرفة حجر الزاوية في التطور الاقتصادي الحديث، فهو يعتمد على المعلومات والابتكار بدلاً من الموارد التقليدية. هذا التحول يعزز النمو الاقتصادي المستدام، ويدعم الدخل القومي، ويوفر فرص عمل جديدة ومتنوعة. ولتعزيز استمرارية هذا الاقتصاد، يجب التركيز على تطوير البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتحديث القوانين، وتوفير بيئة تحفز الإبداع والابتكار، مع استمرار التركيز على هذه العوامل، سيكون اقتصاد المعرفة قادراً على تقديم إسهامات كبيرة في تحسين مستويات المعيشة ودعم الاقتصاد العالمي بشكل مستدام.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال