الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
اشتر ثلاجة ذكية تخبرك اذا نفذ البيض او لعلها تشرح لك الفرق بين البقدونس والكزبرة بدلا من وقوفك كل أسبوع امام رف الورقيات تحاول تذكر ايهما أوراقه اكبر؟
اشتر غسالة فيها “بلوتوث”، او سيارة تقيس ضغط دمك في الازدحام المروري، والقائمة طويلة مما يمكنك تخيله مما يجعل حياتك مزيدا من المواصفات الرقمية التي تسمى ذكية وهي في الحقيقة تقلل من تفكيرك وذاكرتك وتجعلك تعتمد عليها كليا والهواتف الذكية خير دليل.
هناك تسابق محموم نحو إضافة مواصفات “ذكية” او تقنية في كل شيء نشتريه، او نستخدمه في المنزل، وهذا حسن من ناحية دلالته على تقدم التقنية المبني على “ذكاء” الانسان، لكن من الناحية الاقتصادية المعيشية اصبح مرهقا، وفي حالات محددة اصبح مرهقا جدا.
يجب ان تعرف -اذا لم تكن تعرف – انه كلما زاد عدد السمات الوظيفية او المواصفات الذكية في منتج معين قلت جودة هذه السمات وهو امر مفهوم ومسلم به في الصناعة، وكلما زادت هذه الإضافات الكمالية في أي منتج ارتفعت تكلفته وصعوبة استخدامه، والقليل من الناس يريدون او يحتاجون كل هذه المواصفات وبذلك نكون نحن البقية او يكون بقية الناس ضحايا هذه “التعقيدات الإضافية “، او الرفاهية الذكية التي فيها نظر.
المشكلة التي وضعنا فيها المنتجون ان هذه الإضافات ترتبط بأداء وصيانة المنتج ووظيفته الأساسية، فمثلا اذا تعطل “الكمبيوتر” او ” الشريحة الذكية ” او “البلوتوث” في الثلاجة او الغسالة او أي جهاز منزلي توقف عن وظيفته الأساسية، أي التبريد او الغسيل، وأصبحت صيانته لا تتم الا عن طريق واحد هو الوكيل “المحتكر” لتقنية إعادة تشغيل او اصلاح هذه الإضافات الذكية التي تم ربطها بالوظيفة الأساسية للمنتج!
هذا الوكيل يجعلك تنتظر أياما للخدمة، والأيام في بلادنا الحارة غالبا بدون ثلاجة شبه مستحيلة، فترتفع عليك التكلفة لأنك ستوفر بديلا – اغلب الوكلاء لا يوفرونه – او ستدفع مقابل ما يسمى الخدمة السريعة او مقابل الصيانة في السوق “الذكية” التي بدأت تتشكل لتلبية الطلب المتزايد على “اكسسوارات الذكاء”.
اننا إزاء استبداد استهلاكي يلبس ثوب الرفاهية، والمنتجات العادية التي لا يوجد فيها إضافات ذكية تقل عاما بعد عاما فالرفاق في الصين، والأصدقاء في كوريا يتنافسون على الإضافات الذكية التي تكتشف مع الزمن انها تقلل عمر المنتج، وتجعلك تشتري آخر جديد لان الأول كثرت اعطاله التقنية الذكية.
لعلها فرصة امام الصناعة السعودية ان توفر ثلاجات غير ذكية مهمتها التبريد واذا توقفت نعرف الجزء الذي يجب صيانته بسهوله، وغسالات تقوم بالغسيل والتنشيف بدون استخدام الذكاء الاصطناعي، وغيرها وصولا الى السيارات التي نريدها ان تسير بعزل معقول، ومكيف قوي، وشاشة بسيطة تعطيني المؤشرات المهمة لقيادة المركبة بأمان.
اخشى ان يأتي يوم تصبح أشمغة الرجال او حجابات النساء مزودة بشرائح “ذكية” تخبرك عن الطريقة الصحيحة للبس او تنذرك في حال حاجتهما الى الغسيل او الكي.
كما في كل شيء في الحياة فان ما زاد عن حده انقلب الى ضده، وهذا “الاستبداد الاستهلاكي” بحجة الذكاء يجعلنا اكثر غباء يوما بعد يوم.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال