الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
برزت النظرية النقدية الحديثة (MMT) بقوة في العقود الأخيرة، خاصة في فترة الأزمات المالية والاقتصادية التي أثارت نقاشات واسعة حول فعالية السياسات الاقتصادية التقليدية. و يمكن القول إن الأزمات المالية الكبيرة مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19 قد ساهمت بشكل كبير في بروز النظرية النقدية الحديثة كإطار بديل لفهم وإدارة السياسات المالية والنقدية. من خلال تقديم مبررات نظرية للإنفاق الحكومي الكبير وإعادة التفكير في دور الحكومة، استطاعت النظرية أن تصبح جزءًا مهما من النقاشات الاقتصادية الحديثة. ومع استمرار التحديات الاقتصادية، ستظل النظرية موضوعا رئيسيا للنقاش والبحث في الأوساط الأكاديمية والسياسية.
من خلال هذا المقال، سنستعرض التطور التاريخي للنظرية النقدية الحديثة و لنفهم جذور هذه النظرية، يجب علينا السفر عبر فصول التاريخ الاقتصادي، وتتبع الشخصيات والأحداث الرئيسية التي وضعت مبادئها الأساسية.
النظرية التشارتالية (Chartalism) هي بذرة النظرية النقدية الحديثة
التشارتالية هي نظرية اقتصادية تناولها الاقتصادي الألماني ناپ (Georg Friedrich Knapp) في كتابه “نظرية الدولة للنقود” (The State Theory of Money) الصادر عام 1905. تقول الشارتالية إن النقود هي مخلوق الدولة و تستمد قيمتها من الحكومة التي تصدرها، وليس من المادة التي تُصنع منها. وفقًا للتشارتالية، تكون النقود ذات قيمة لأنها تُقبل كوسيلة لدفع الضرائب والرسوم الحكومية. بعبارة أخرى، الحكومة تحدد ما يمكن استخدامه كمال، وهذا ما يمنح النقود قيمتها في الاقتصاد. هذه الفكرة مركزية في النظرية النقدية الحديثة ، التي تجادل بأن الحكومات ذات السيادة يمكنها إصدار العملة دون مواجهة مشاكل العجز المالي، بشرط أن تتحكم في عملتها.
الأساس الكينزي
كان لأفكار الاقتصادي البريطاني كينز (John Maynard Keynes) خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات تأثير كبير على الفكر الاقتصادي العالمي. قدم كينز نظرياته في كتابه الشهير “النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود” (The General Theory of Employment, Interest, and Money)، حيث دعا إلى دور نشط للحكومة في إدارة الاقتصاد من خلال السياسات المالية لتعزيز الطلب الكلي والحد من البطالة. أفكار كينز حول الإنفاق الحكومي والتدخل الحكومي في الأوقات الاقتصادية الصعبة تعتبر من اللبنات الأساسية التي بنيت عليها النظرية النقدية الحديثة.
ما بعد الكينزية: تعزيز الأفكار
وسع الاقتصاديون ما بعد الكينزيون أفكار كينز، مؤكدين على دور الطلب في الاقتصاد وأهمية التدخل الحكومي. حيث قدم هيمان مينسكي (Hyman Minsky)، وهو اقتصادي بارز، مفاهيم حول عدم الاستقرار المالي ودور الحكومة في منع الأزمات الاقتصادية. تتوافق هذه الأفكار مع تأكيد النظرية النقدية الحديثة (MMT) على الدور الاستباقي للحكومة في إدارة الاقتصاد. يعتبر مينسكي أن النظام المالي بطبيعته غير مستقر وأن الأزمات المالية جزء لا يتجزأ من الدورة الاقتصادية. وبناءً على ذلك، دعا إلى دور حكومي قوي في تنظيم الأسواق المالية ومنع الأزمات من خلال سياسات مالية ونقدية استباقية. ومن خلال هذا السياق، يمكن رؤية تداخل كبير بين أفكار ما بعد الكينزيين والنظرية النقدية الحديثة. حيث يشارك كلاهما في رؤية الدور المركزي للحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
التمويل الوظيفي: دور الحكومة في الاقتصاد
يعد مفهوم التمويل الوظيفي (Functional Finance)، الذي طوره الاقتصادي أبا لرنر (Abba Lerner)، ركيزة أساسية في النظرية النقدية الحديثة. يقوم التمويل الوظيفي على فكرة أن المسؤولية الأساسية للحكومة هي تحقيق التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، بدلاً من السعي لتحقيق توازن في الميزانية العامة. جادل لرنر بأن الحكومة يمكنها ويجب عليها استخدام أدوات الإنفاق والضرائب لتحقيق هذه الأهداف. تتوافق هذه الأفكار مع النظرية النقدية الحديثة التي ترى أن الحكومات التي تصدر عملاتها الخاصة تمتلك القدرة على تمويل الإنفاق دون القلق الكبير من الديون، بشرط السيطرة على التضخم. تبني مفهوم التمويل الوظيفي يعيد التفكير في دور الحكومة في الاقتصاد، مما يساعد على التعامل مع التحديات الاقتصادية وتحقيق استقرار طويل الأمد.
التوازنات القطاعية: تحليل شامل للاقتصاد
يشكل نهج الموازين القطاعية(The sectoral balances approach) إطاراً تحليلياً مهماً في الاقتصاد، وقد طوره الاقتصادي البريطاني وين غودلي(Wynne Godley). يعتمد هذا النهج على تحليل الموازنات المالية للقطاعات المختلفة في الاقتصاد، وهي القطاع الحكومي(يشمل جميع الأنشطة المالية للحكومة مثل الإيرادات كالضرائب والنفقات كالإنفاق الحكومي)، القطاع الخاص(يشمل الأفراد والشركات الخاصة وما ينتج عن أنشطتهم من دخل وإنفاق واستثمار)، والقطاع الخارجي(يشمل التجارة والاستثمار مع بقية العالم، مثل الصادرات والواردات والتحويلات المالية). يساعد هذا التحليل في فهم كيفية تفاعل هذه القطاعات مع بعضها البعض وكيف يمكن لعجز في قطاع ما أن يتوازن بفائض في قطاع آخر. يفترض هذا النهج أن مجموع الفوائض والعجوزات في هذه القطاعات الثلاثة يجب أن يكون صفراً. بمعنى آخر، إذا كان هناك عجز في القطاع الحكومي، يجب أن يقابله فائض في القطاع الخاص أو الخارجي، والعكس صحيح. هذا المبدأ يساعد في تحليل تأثير السياسات الاقتصادية المختلفة على التوازن العام في الاقتصاد. تتوافق أفكار نهج الموازين القطاعية بشكل كبير مع النظرية النقدية الحديثة حيث تعزز النظرية النقدية الحديثة فكرة أن الحكومات التي تصدر عملتها الخاصة يمكنها تمويل الإنفاق الحكومي دون القلق الكبير من العجز، طالما أن التضخم تحت السيطرة، حيث أن هذا العجز سيقابله فوائض من اقطاع الخاص او القطاع الخارجي.
ملامح النهضة: التسعينيات وبداية الألفية
النظرية النقدية الحديثة تقدم طريقة جديدة ومثيرة للتفكير في كيفية إنفاق الحكومات للمال وإدارة الاقتصادات. وكما ذكرنا تعود جذور هذه النظرية إلى أفكار اقتصادية من مدارس فكرية متنوعة، لكنها لم تتبلور بشكلها الحالي إلا في أواخر القرن العشرين. في التسعينيات، قام الاقتصادي وارن موسلر (Warren Mosler) بنشر كتابه “اقتصاديات العملة الناعمة” (Soft Currency Economics)، حيث أوضح كيف أن الحكومات التي تصدر عملاتها الخاصة لا يمكن أن تنفد من المال بنفس الطريقة التي قد تنفد بها الشركات أو الأسر. كانت هذه الفكرة بمثابة حجر الأساس للنظرية النقدية الحديثة ، مما دفع الكثيرين إلى إعادة التفكير في دور الحكومات في إدارة الأموال العامة. إلى جانب موسلر، برزت أسماء أخرى مثل بيل ميتشل (Bill Mitchell) وراندال راي (Randall Wray) وستيفاني كيلتون (Stephanie Kelton) هؤلاء الاقتصاديون لم يكتفوا بتطوير النظرية، بل عملوا أيضًا على نشرها وتوضيحها للعامة. كتاب كيلتون “خرافة العجز ” (The Deficit Myth)، الذي صدر في 2020، حقق نجاحًا كبيرًا، وجعل الأفكار المعقدة للنظرية النقدية الحديثة سهلة الفهم بالنسبة للكثيرين، موضحًا أن العجوزات الحكومية ليست بالضرورة أمرًا مخيفًا كما يعتقد البعض.
الطريق نحو المستقبل: الأزمات الاقتصادية والدور الحكومي
في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، بدأت النظرية النقدية الحديثة في جذب المزيد من الاهتمام الأكاديمي والعام. وخلال الأزمات الاقتصادية الكبرى، مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 وجائحة كوفيد-19، تبنت الحكومات حول العالم سياسات إنفاق ضخمة لدعم الاقتصاد، مما أثبت صحة مبادئ MMT وأظهر فعالية دور الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
باختصار، بفضل جهود اقتصاديين مثل وارن موسلر وبيل ميتشل وراندال راي وستيفاني كيلتون، أصبحت النظرية النقدية الحديثة جزءًا لا يتجزأ من النقاشات والسياسات الاقتصادية المعاصرة، مقدمةً لنا فهماً جديداً ومهماً لدور المال والإنفاق الحكومي في تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال