الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في عالم الاستثمار، هل قراراتنا الاستثمارية دائمًا منطقية وعقلانية؟ أم أن العواطف والتحيزات اللاواعية تؤثر على قراراتنا دون أن ندرك ذلك؟ لطالما سعى علماء الاقتصاد السلوكي إلى فهم كيف تؤثر النفس البشرية على القرارات الاقتصادية وعلاقتها ايضا بالقرارات المالية. في الأسواق المالية، حيث يتصارع الخوف مع الطمع، غالبًا ما تتفوق العواطف على المنطق. كيف يحدث ذلك؟ وما الذي يمكننا تعلمه من هذا السلوك غير المتوقع؟ في هذه المقالة، استعرض نظرية الاحتمالات (Prospect Theory) التي قدمت فهمًا جديدًا لكيفية اتخاذ الأفراد للقرارات تحت ظروف عدم اليقين.
فهم نظرية الاحتمالات: لمحة تاريخية ومثال تطبيقي
تم تطوير نظرية الاحتمالات في عام 1979 على يد العالمين النفسيين دانيال كانيمان وآموس تفرسكي. جاءت هذه النظرية لتحدي الافتراضات التقليدية في نظرية المنفعة المتوقعة (Expected Utility Theory)، التي كانت تعتبر أن الأفراد يتخذون قراراتهم بناءً على تحليل عقلاني بحت في اختياراتهم. لكن الواقع أظهر أن الأفراد غالبًا ما يتصرفون بطرق غير عقلانية، مما دعا كانيمان وتفرسكي إلى تطوير نظرية تأخذ في الاعتبار العوامل النفسية التي تؤثر على قرارات الأفراد.
تشرح نظرية الاحتمالات أن الأفراد يقيمون المكاسب استنادًا إلى ما يُعرف بـ “النقطة المرجعية” (Reference Point) وهي الوضع الحالي أو التوقعات التي يعتمدون عليها لقياس أي تغيير محتمل. على سبيل المثال، إذا كان لدى مستثمر مبلغ معين من المال، فإن أي ربح أو خسارة ستكون مرتبطة بالمبلغ الذي امتلكه في البداية، أو بالمبلغ الذي كان يتوقع تحقيقه.
ما يميز هذه النظرية أيضا هو اكتشافها لما يُعرف بـ “تجنب الخسارة” (Loss aversion)، وهو الميل القوي لدى الأفراد لتجنب الخسائر بدلاً من تحقيق المكاسب. بمعنى آخر تسبب الخسائر ألمًا نفسيًا أكبر بكثير من المكاسب التي تعادلها من الناحية النقدية.
لنأخذ مثال تطبيقي:
لنفترض أن مستثمرًا أمامه خياران:
استثمار 10,000 ريال مع فرصة 50% لتحقيق ربح 20,000 ريال، و50% احتمال خسارة 10,000 ريال.
استثمار 10,000 ريال مع فرصة 50% لتحقيق ربح 10,000 ريال، و50% احتمال عدم تحقيق أي ربح أو خسارة.
بينما قد تشير النظرية التقليدية إلى أن الخيار الأول هو الأفضل نظرًا للقيمة المتوقعة الأعلى، تشير نظرية الاحتمالات إلى أن المستثمر قد يفضل الخيار الثاني. حيث إن احتمال الخسارة في الخيار الأول قد يثير قلقه ويدفعه لاختيار الخيار الذي يعتبره أكثر أمانًا نسبيًا.
خذ بعين الاعتبار مثالًا آخر: إذا أُعطي الخيار بين ربح مؤكد بمقدار 500 ريال، أو فرصة بنسبة 25% لربح 1,000 ريال مع احتمال 75% لعدم ربح أي شيء. فإن معظم الأشخاص سيختارون المكسب المؤكد بقيمة 500 ريال، على الرغم من أن هناك فرصة لكسب ضعف ذلك.
على الجانب الآخر، إذا أُعطيت الخيار بين خسارة مؤكدة بمقدار 500 ريال، أو احتمال 75% لخسارة 1,000 ريال مع نسبة 25% لعدم خسارة أي شيء، فإن النظرية تشير إلى أن معظم الأشخاص سيختارون احتمال 75% لخسارة 1,000 ريال بسبب الأمل في عدم الخسارة رغم أن النسبة 25%.
سلوك المستثمرين والأسواق المالية: الاقتصاد السلوكي
عند الانتقال إلى سلوك المستثمرين في الأسواق المالية، نجد أن نظرية الاحتمالات تلعب دورًا حاسمًا في تفسير بعض السلوكيات غير العقلانية التي قد تبدو غامضة للوهلة الأولى. على سبيل المثال، يميل المستثمرون للاحتفاظ بالأصول الخاسرة لفترة طويلة أملًا في تعويض الخسارة، بينما يسارعون في بيع الأصول الرابحة لتحصيل المكاسب. هذا السلوك، المعروف بأثر التخلص (Disposition Effect)، يعكس كيف يهيمن الخوف من الخسارة على قرارات المستثمرين، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج غير عقلانية.
توضح الأمثلة التطبيقية السابقة الى فهم أعمق للطبيعة البشرية عند مواجهة المخاطر. يتضح أن البشر ليسوا محايدين عندما يتعلق الأمر بتحمل المخاطر؛ فعندما يعتقد الأفراد أن لديهم فرصة لتقليل الخسائر، فإنهم يميلون إلى تحمل مخاطر أكبر. في المقابل، يصبحون أكثر تحفظًا عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على المكاسب. هذا التحيز يظهر بشكل واضح في تفسير الأفراد للاحتمالات، مما يؤدي في النهاية إلى سوء تقدير المخاطر واتخاذ قرارات غير صائبة.
عندما يواجه الأفراد قرارًا يتعلق بالخسارة، فإنهم يميلون إلى اتخاذ خيارات أكثر تطرفًا مقارنة بالمواقف التي ترتبط بالمكاسب. هذا السلوك يدفع الأفراد إلى المخاطرة بشكل غير محسوب في محاولة لتجنب الخسارة، حتى وإن كانت تلك المخاطر تتجاوز حدود الأمان.
إلى جانب ذلك، يُظهر الاقتصاد السلوكي أن المستثمرين قد يتبعون سلوك القطيع، حيث يتبعون اتجاهات السوق بشكل جماعي بدلاً من إجراء تحليل مستقل. هذا السلوك يمكن أن يؤدي إلى تشكيل فقاعات مالية، حيث ترتفع أسعار الأصول بشكل غير مبرر، تليها انهيارات حادة.
من الأمثلة التطبيقية الشهيرة على تأثير التحيزات السلوكية، فقاعة الدوت كوم (dot-com bubble) في أواخر التسعينيات. أدت التوقعات المتفائلة بشكل مفرط حول إمكانات شركات الإنترنت إلى ارتفاع غير مبرر في أسعار أسهمها. تجاهل المستثمرون التحليل العقلاني للأصول والقيمة الحقيقية للشركات، واندفعوا نحو الاستثمار خوفًا من تفويت الفرصة. وعندما انفجرت الفقاعة في عام 2000، تكبد العديد من المستثمرين خسائر فادحة.
ظاهرة GameStop في عام 2021 هي مثال آخر على سلوك القطيع، حيث اجتمع مستثمرون عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل Reddit وتمكنوا من رفع سعر أسهم الشركة بشكل هائل خلال فترة قصيرة. كان هذا الارتفاع السريع مدفوعًا بالتلاعب العاطفي وسلوك القطيع، حيث سارع العديد من المستثمرين إلى دخول السوق دون إجراء تحليل للأسس المالية للشركة. فكان للتحيزات السلوكية مثل الإفراط في الثقة مع الطمع والخوف من الخسارة دورًا كبيرًا في هذا الحدث.
أهمية نظرية الاحتمالات لمدراء المخاطر
مع التقلبات المستمرة في الأسواق المالية، يصبح من الضروري أن يتسلح مدراء المخاطر بمجموعة شاملة من المهارات التي تتجاوز التحليل الكمي والتقني. هنا تظهر أهمية نظرية الاحتمالات، حيث تقدم رؤية قيمة لفهم العوامل النفسية والسلوكية التي تؤثر على قرارات المستثمرين.
إن نظرية الاحتمالات تساعد مدراء المخاطر على إدراك أن سلوك المستثمرين ليس دائمًا عقلانيًا، وأن التحيزات النفسية والمعرفية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل قراراتهم. على سبيل المثال، معرفة أن المستثمرين يميلون إلى تجنب الخسائر أكثر من سعادتهم بالمكاسب يمكن أن يساعد مدراء المخاطر في توقع سلوكهم وتطوير استراتيجيات تحوط تتوافق مع هذه التحيزات. فلو أراد مستثمر الاستثمار في صندوق معين، فمن المرجح أن يختار الصندوق الذي يبرز معدل العائد من حيث المكاسب فقط، ويمتنع عن الصندوق الذي يعرض معلومات عن العوائد المرتفعة ولكن يُظهر أيضًا احتمال تحقيق خسائر. يجب على مدراء المخاطر الجمع بين المعرفة النفسية والمهارات الناعمة، مثل القدرة على التواصل الفعّال وفهم دوافع الآخرين. هذه المهارات تساعد في إدارة المخاطر بشكل أكثر شمولية من خلال فهم السلوكيات المختلفة التي قد يتعاملون معها.
الانتقادات الموجهة لنظرية الاحتمالات
بالرغم من قوة نظرية الاحتمالات في تفسير السلوك البشري، إلا أن هناك بعض الانتقادات التي وُجهت لها. على سبيل المثال، يُشير بعض الباحثين إلى أن النظرية قد تبالغ في التركيز على تجنب الخسارة، وأن هناك عوامل أخرى قد تؤثر على القرارات مثل السياق الثقافي والبيئة المحيطة. كما أن النظرية قد لا تكون شاملة لجميع أنواع القرارات، خاصة تلك التي تُتخذ في ظروف اليقين العالي. لذا، من المهم عدم الاعتماد على هذه النظرية وحدها، بل دمجها مع أدوات تحليلية أخرى لفهم أعمق للسلوك الاستثماري.
خاتمة: التفكير الاستراتيجي وإدارة المخاطر
في النهاية، يبقى السؤال: هل يمكن للإنسان أن يكون عقلانيًا تمامًا في قراراته المالية؟ قد تكون الإجابة معقدة، ولكن فهمنا لنظرية الاحتمالات وتأثير التحيزات النفسية يمنحنا نظرة أكثر واقعية لكيفية تعامل البشر مع المخاطر. إن الفهم العميق لكيفية تفاعل الأفراد مع المخاطر في سياقات مختلفة، وكيف تؤثر التحيزات النفسية على قراراتهم، يمنح مدراء المخاطر أداة إضافية لخلق استراتيجيات أكثر توازنًا وفاعلية. ربما لن نستطيع التخلص تمامًا من تحيزاتنا، ولكن إدراكها قد يساعدنا على اتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا ونجاحًا.
قائمة المصطلحات التي ذكرت بالمقالة:
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال