الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه العالم، تظل البطالة واحدة من أهم القضايا التي تسعى الحكومات لحلها. مع الأزمات الاقتصادية المتكررة وتفاوت مستويات التوظيف، برزت النظرية النقدية الحديثة كإطار اقتصادي يقدم رؤية جديدة لتحقيق التوظيف الكامل. تعتمد هذه النظرية على أن الحكومات التي تصدر عملتها الخاصة تتمتع بقدرة فريدة على التحكم في السياسات المالية والإنفاق العام دون قيود مالية تقليدية، مما يتيح لها إمكانية تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية شاملة، بما في ذلك القضاء على البطالة.
تتمثل إحدى الركائز الأساسية للنظرية النقدية الحديثة في فكرة أن الحكومة يمكنها تحقيق التوظيف الكامل من خلال برنامج “ضمان الوظيفة” (Job Guarantee)، والذي يهدف إلى توفير وظيفة لكل شخص راغب وقادر على العمل، ولكنه لا يجد فرصة في القطاع الخاص. في هذا السياق، تتبنى الحكومة دور “الملاذ الأخير” للتوظيف، مما يضمن عدم وجود بطالة قسرية في المجتمع.
يعمل برنامج ضمان الوظيفة كأداة مرنة وشاملة، تُمكِّن الحكومة من تحقيق التوظيف الكامل بطرق مستدامة. يبدأ تنفيذ البرنامج بتحديد احتياجات المجتمع، مثل تطوير البنية التحتية، تحسين الخدمات العامة، أو حماية البيئة. بالتعاون مع الحكومات المحلية والمؤسسات العامة، تُحلل هذه الاحتياجات ويتم تصميم وظائف مخصصة لتلبية هذه المتطلبات، ما يوفر فرص عمل متعددة في عدة مجالات مثل صيانة الطرق، بناء المدارس والمستشفيات، الزراعة المستدامة، وتقديم الخدمات الاجتماعية.
لتنفيذ البرنامج بشكل فعال، يتم تحديد حد أدنى للأجور وشروط عمل عادلة لضمان حياة كريمة للعاملين، مع وضع معايير تشجع تحسين الأجور وظروف العمل في الاقتصاد ككل. و لضمان كفاءة العاملين، يوفر البرنامج فرصًا للتدريب والتأهيل، ما يساهم في تطوير مهاراتهم وزيادة فرصهم في الحصول على وظائف مستقبلية في القطاع الخاص. يتميز البرنامج بقدرته على التكيف مع التغيرات الاقتصادية، حيث يمكنه التوسع في فترات الركود الاقتصادي لاستيعاب العمالة الفائضة، وتقليص حجمه تدريجيًا في فترات النمو مع زيادة الطلب على العمالة في القطاع الخاص.
يحمل برنامج ضمان الوظيفة العديد من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية. فهو يساهم في القضاء على البطالة القسرية، مما يضمن لكل فرد راغب في العمل دورًا اقتصاديًا يسهم من خلاله في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، يعمل البرنامج كأداة استقرار تلقائية، حيث يمتص العمالة الفائضة خلال فترات الركود الاقتصادي ويوفر لهم وظائف مؤقتة، مما يمنع الاقتصاد من الدخول في دوامة تراجع الطلب والبطالة المتزايدة. علاوة على ذلك، يُسهم البرنامج في ضبط مستويات الأجور واستقرار الأسعار، حيث يُحدد حدًا أدنى للأجور يمثل “سعر احتياطي” للعمالة، مما يساعد في تثبيت الأسعار ومنع التنافس غير المنضبط على الأجور.
إضافة إلى دوره الاقتصادي، يسهم برنامج ضمان الوظيفة في تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تقليل الفوارق الاقتصادية وتوفير فرص عمل متكافئة للجميع. يمكن توجيه الوظائف نحو الفئات السكانية الأكثر تهميشًا، مثل الشباب، النساء، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، مما يعزز تماسك المجتمع ويقلل التوترات الاجتماعية. من خلال توفير التدريب والتأهيل، يعزز البرنامج من مهارات الأفراد ويزيد من قدرتهم على الحصول على وظائف أفضل في المستقبل، مما يعزز إنتاجية العمالة ويزيد من تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.
كما يدعم البرنامج التنمية المحلية من خلال تصميم وظائف تلبي احتياجات المجتمع المحلي، مثل تحسين البنية التحتية، تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، أو حماية البيئة، مما يؤدي إلى تحسين الظروف المعيشية. بالإضافة إلى ذلك، يسهم البرنامج في تقليل التوترات الاجتماعية ودمج الأفراد المهمشين في المجتمع، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي. ويمكن أن يقلل البرنامج من الاعتماد على الإعانات الاجتماعية التقليدية، حيث يوفر وظائف بدلاً من الإعانات، مما يخفف العبء المالي على الحكومة ويحقق استخدامًا أكثر فعالية للأموال العامة.
رغم الفوائد المحتملة التي يقدمها برنامج ضمان الوظيفة، إلا أنه لا يخلو من التحديات والانتقادات. من أبرز هذه التحديات المخاوف من التضخم، حيث قد يؤدي زيادة الإنفاق الحكومي إلى ارتفاع في الأسعار إذا لم يتم التحكم في مستويات الطلب. كما أن هناك تساؤلات حول كفاءة وإنتاجية الوظائف التي تقدمها الحكومة، حيث قد لا تكون هذه الوظائف دائمًا متماشية مع احتياجات السوق. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تنفيذ البرنامج على نطاق واسع تنسيقًا إداريًا كبيرًا وتخصيصًا فعالًا للموارد، مما قد يشكل تحديات تشغيلية كبيرة.
تقدم النظرية النقدية الحديثة رؤية جديدة وجريئة لتحقيق التوظيف الكامل من خلال برنامج ضمان الوظيفة. هذه الرؤية تتحدى المفاهيم التقليدية حول دور الحكومة في الاقتصاد، وتفتح آفاقًا جديدة للنقاش حول كيفية تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية أوسع. ومع أن تنفيذ مثل هذه السياسات يتطلب إدارة دقيقة وتخطيطًا متوازنًا للتعامل مع المخاطر المحتملة، إلا أن النظرية النقدية الحديثة توفر إطارًا مثيرًا للاهتمام يمكن أن يساهم في تحقيق التوظيف الكامل والعدالة الاجتماعية. في نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الحكومة بالفعل توظيف جميع العاطلين عن العمل؟ النظرة المتفائلة للنظرية النقدية الحديثة تقول: نعم، إذا تم تنفيذ السياسات بشكل صحيح ومدروس.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال