الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عــبر التاريخ القديم ووصولًا الى تاريخنـا الحديث، حاولت الحكومات التحكم في الاسعار ووضع سقوف وحد أدنى لها، من العصور القديمـة التي وضعت حدود للفوائد على القروض، ثم العصور الوسطــى لأوربا التي عملت الحكومـات حينها على وضع ضوابط للتسـعير على الخبز بحد أقصى لايمكن تجاوزه. وفي العصر الحديث عندما فرضت الولايات المتحدة – على سبيل المثـال – قيود أسعار وحدود على البنزين وأسعار تأجير الشقق في بعض المناطق، وفي بعض الاحيان وخصوصًا في أوقات حروبها عملت على التحكم بالأسعار وليس فقط وضع قيود وحدود معينــة. التحكم في الأسعــار ليس حـكرًا على الكبار والدول المتطـورة، فبعض الدول النامــية تعمل على ذلك من خلال التحكم في أسعار السلع الاستهلاكيــة والغذائيـة. كانت ضوابط الأسعـار تعمل في وقت ما من الماضي، ولكن كيف هي الأن بين ثنايا اقتصاد الرأسمالــية الحديث! هل لا تزال تعمل كما هي في شبابهـا أم الان هي من التاريخ الاقتصادي القديم ومن المجدي لها أن تبقــى بين هوامشه الى الأبــد ولا تظهـر على الأطلاق.
التحكم في الأسعار – ضوابط الأسعار – هي أجراءات تقوم بها الحكومــة في بلد ما معين لتفرض قيود ونطاق معين من الأسعار لسلع ما محددة في سوق محدد، وغالبًا ماتكون سلع الوقود والمواد الغذائية هي أكثــر السلع التي تطبق عليها ضوابط التسعير. الضوابط توضع من قِبل الحكومـة لمحاولـة التدخل في الاقتصاد بشكل مباشـر لأدارة القدرة على تحمل تكاليف سلع وخدمات معينة وفي بعض الحالات للتحكم في مستويــات التضخم ومستويات العرض والطلب. ضوابط الاسعار من الممكن تضنيفهـا الى نوعان: الحدود الأدنــى، وهي حدود سعرية أدنى لا يمكن أن تهبط أسعار سلعة أو خدمــة ما عنها، النوع الأخـر هي الأسقــف، وهو مستوى سعري لايمكن لسلعة ما أو خدمة أن تتجاوزه. ضوابط التسعيــر قد تكون لها القدرة على الاستقرار الاقتصادي وضبط مستويات التضخم، ولكن في الجانب المظلم لهذه الضوابط تأثيرات عكسيــة على مستوى الجودة والأنتاج والأنفتاح على الأسواق الغير قانونيـة وغيرها من المؤثرات التي أثارت غرائز النقـد لدى الاقتصاديين في كل جوانب هذه الضوابط والقيود، النقد جاء مؤيد لعمل الأسواق الحــر والتسعير المعتمد على كل من العرض والطلب والغيـر قابل للتحديد من قوى أخرى غير قوى السوق.
من المفيــد مناقشة أنواع ضوابط التسعير وأبرز نقاطها الإيجابيـة والسلبية وكيف لها أن تؤثر في الاقتصاد والأسواق الماليـة. لنبدأ أولًا بسقـوف الأسعار – الحدود العليــا التي لايمكن لسلعـة ما تجاوزها – وهي قيود تُفرض من الحكومـة ولذلك لتقليل التكاليف على المستهلكيـن كما حصل في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عندما تم فرض سقوف سعرية على الإيجــارات في مدينة نيويورك، وذلك لمساعدة الجنود العائدين من الحرب على إيجاد منازل لهم ومن دون فرض هذه القيود سيكون الطلب عالي على هذه المنازل، وبالتالي ستكون الأسعار مرتفعـة للغايـة. هذه السقوف تسبب مايسمى ” Deadweight Loss – الوزن الميت ” ويشير هذا الى خسارة في الناتج الاجمالي المحلي قادم بسبب أن العرض محكوم بسقف سعري على الرغم من أن الطلب عالي، وبالتالي لا يمكن أن يستفيد المنتجون من الزيادة المتوقعة في الأسعار بسبب القيود الموضوعة.
النوع الأخــر من الضوابط هي الحدود السعرية الأدنـى – حدود سعرية لا يمكن لسعر سلعـة ما أن يهبط اقل منها – وتضع الحكومـة هذه الحدود الدنيــا من أجل المحافظـة على تواجد منتـجي بعض السلع في السوق وعدم خروجهـم، وأيضًـا من أجل مساعدة بعض منتجي القطاعات التي تريد الحكومة ان تدعمها – على سبيل المثال تضع الحكومة حد أدنى لأسعار حبوب البن لدعم منتجي هذه الصنـاعة وتوفيــر لهم البيئة التنافسية المساعدة على النمو وتغطيـة تكاليفهـم. فرض حدود دنيا للأسعار قد يسبب زيادة في الأنتاج بطريقـة غير مدروسـة، لأن هناك سعر محدد للمنتج لا يمكن للمستهلك أن يشتري بأقل منه، وهذا يدفع المُنتج على أنتاج سلع قد تكون غير مجدية ولا حاجـة لها، ولكن الحد الأدني للتسعير يخدم ذلك الأنتاج. أيضـًا تساعد هذه القيود على رفع الضرائب الخاصـة بالأستيراد، وذلك لأن المستهلكيـن في حال فرض سعر أدنى عليهم سيتوجهون الى الشراء من الخارج، لذلك تفرض الحكومة ضرائب أعلى على هذه السلع المستوردة ليتحقق ما تطمح له من فرض قيود الحد الأدنى.
ضوابط الأسعــار التي تفرضها الحكومات سعيًـا منها لفرض استقرار في بعض قطاعات السوق وبعض السلع والخدمات ليست ” عشاء بالمجــان ” فتكاليف انشاء جهات قانونية وتنظيمية تراقب وتتابع هذه القيود عاليـة، أيضــًا توزيع السلع والخدمـات سيكون غير عادل بين كل من المنتجين والمستهلكيـن في القطاع. الأمر الأخــر هو التكاليف التي تنتج عندما يحاول المستهلكيـن أو المنتجيــن الهروب من هذه القيود بالتوجه الى الاسواق الأخرى أو الى القنوات التجارية غير القانونية ” السوق السـوداء “، أيضــًا الأمر الجوهـري الأخر هو انفجار مستويات التضخم المكبوت بسبب هذه القيود عندمــا يتم التخلي عنهـا أو تخفيفها.
كما هو متوقع من الاقتصاد وأبنــاءه، تم رفض وضع الضوابط السعرية من كثـير من علماء الاقتصاد بسبب أنها غير فعالـة بشكل جيد في التحكم بالاستقرار المالي والتضخم، والسياسات النقدية والحكومـية الأخرى قادرة على أن تعمل على أستقرار الاقتصاد بشكل فعال وبتكاليف أقل مما هو عليـه في ضوابط الأسعار، وبالعكـس تمامًا ضوابط الأسعار تخفض من كميات الأنتاج وتضغط على كل من الأسعار، وبالتالي يتأثـر الطلب من هذا الضغط، وتحقق خسائــر ميتـه في الاقتصاد والناتج الاجمالـي المحلي كان من المتوقع الحصول عليها لولا هذه الضوابط. يعتقد الكثـير من علماء الاقتصاد أن هذه الضوابط لا تعمل بشكل جيد الان كمـا هو الحال معها في تاريخهـا القديم وفي سبعينيات القرن الماضي، حيث أن تكاليفهـا الحالية أعلى وفعاليتهـا أقل لتغير شكل الاقتصاد الكـامل للعالم.
وكعادة الاقتصاد هناك جانب أخر مؤيد للضوابط وخصوصًا على الانتاج المحتكــر من منتـج وحيد، ميلتون فريدمـان الشهيـر بحرية الأسواق ورجلها الأول كان قد وافق على ضوابط سعرية محددة وبدرجة معقولة تُفرض على بعض القطاعات.
من الثابــت بعد كل محاولة تدخل في الأسواق أن النصر حليف السوق الحـرة في نهاية المطاف، ماركس وكينـز ومالتوس ورِفاق التدخل في حركــة الأسواق والتسعير والعرض والطلب أكبر دليل على أن المنتصـر الوحيد هي حرية السوق والتسعيـر الطبيعي، ولا يعني بأن القيود والضوابط السعريـة عملت بشكل جيد في فترة ما في الماضي أنها قادرة على العمل من جديد وتعتبـر الان ” حلول بائــدة ” لا يمكن لها أن تتمادى وتنتصـر على ثوابت حريـة الأسواق المطلقــة كما قال عنها التاريخ والمواقف.
اقتباس اقتصادي: ” كل تدخل حكومي في السوق يخلق عواقب غير مقصودة، مما يؤدي إلى دعوات لمزيد من التدخلات الحكومية.” – لودفيج فون ميزس
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال