الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
قد لا نتفق بشكل كامل مع الاقتصادي السوفيتي نيكولاي كوندراتييف في تفاصيل نظريته التي قدمها في عام 1926 عبر كتابه “الدورات الاقتصادية الرئيسية”، حين توقع أن الدورات الاقتصادية طويلة الأجل تمتد بين أربعين إلى ستين عاماً تقريباً. ومع ذلك، نؤكد على توافقنا معه في أن التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبرى التي تمر بها الدول والأمم غالباً ما تتوافق زمنياً مع الدورات التي نظر إليها، وهو ما يعززه تقدير علماء الاجتماع والمؤرخين بمدة الجيل التي تبلغ ثلاثين عاماً.
في وطننا الغالي، انقضت مائة واثنان وعشرون عاماً منذ عام 1902، حين استعاد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيب الله ثراه، مدينة الرياض. وقد انقسمت هذه المائة واثنان وعشرون عاماً إلى ثلاث دورات، امتدت كل منها تقريباً لأربعين عاماً، تزيد أو تنقص: أربعون عاماً للتوحيد والتأسيس، وأربعون عاماً للتنظيم والاستقرار، وأربعون عاماً للتنمية والبناء. في مرحلة التوحيد، بذل الملك المؤسس ورجاله الأبطال جهوداً عظيمة وتضحيات جسيمة لجمع الشمل، وتحديد حدود البلاد، وبناء هويتها، وتوحيد مدنها وقراها وتوطين باديتها ، لتشهد تلك الحقبة ميلاد المملكة العربية السعودية: الدولة السعودية الثالثة.
بعد مرحلة التأسيس والتوحيد، بدأت الدولة رحلة أربعينية جديدة، حيث عززت تحالفاتها الدولية والإقليمية والعربية والإسلامية، وبدأت في تطوير مؤسساتها وأنظمتها. كما بذلت جهوداً مضنية في البحث عن موارد التنمية، وواجهت بشجاعة وصمود الأمواج اليسارية والقومية المتطرفة التي كانت تطمح إلى الهيمنة.
ثم دخلت المملكة في الأربعين الثالثة، المعروفة مجازاً بـ”الطفرة”، التي استندت إلى الموارد النفطية وبدأت في منتصف السبعينيات. وتميزت هذه المرحلة بالتنمية الشاملة، والبنى الأساسية القوية، والاقتصاد المزدهر، حيث نجحت القيادة الرشيدة، بثقة وحكمة، في تجاوز العديد من المخاطر السياسية والحربية الخارجية والأمنية الداخلية ، بالإضافة إلى بعض التحديات الاقتصادية بطريقة رشيدة مذهلة.
في منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، دخلت بلادنا مرحلة جديدة من التطور والنمو تُعتبر الرابعة في تاريخ الدولة السعودية الثالثة. بدأت هذه المرحلة برؤية واضحة لمستقبل مُشرق في عالم متغير ومعقد تتداخل فيه المصالح. يقود مرحلة البناء الرابعة قيادة رشيدة شابة تفهم لغة العصر وتدرك أسراره ومخاطره، وتعتز بإرثها الديني ومكانتها الروحية، وتعتز بأصولها الضاربة في عمق التاريخ وثقافتها العربية وقيمها المعتدلة.
لا تقتصر هذه الدورة الجديدة على تنوع موارد الدولة، بل تتجاوز الاقتصاد بمفهومه التقليدي العام لتشمل نهضة شاملة ذات عمق وتأثير أكبر، كما حددتها رؤية المملكة 2030 من خلال ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
عند النظر إلى الإنجازات والتخطيط خلال السنوات العشر الأولى من رحلة الرؤية، لا يبرز للعيان الإنجاز المادي ولاقتصادي فقط ، بل أيضًا التغيير الجذري في ثقافة العمل لدى الجيل الجديد. يظهر ذلك في تحقق محاور الرؤية الثلاثة في جيل الرؤية، فحيوية المجتمع تتلألأ في عيونهم، وطموح الوطن يتردد في أحاديثهم المؤملة الحالمة ، والاقتصاد المزدهر يظهر في أعمالهم وتفكيرهم الملهم. هؤلاء الشباب والشابات هم ركيزة الرؤية ودروعها وقصب أسنتها، يسيرون بها ويدافعون عنها في مسيرة المملكة الجديدة.
في رحلتنا الرابعة، نمتلك أهدافًا وآمالًا وطموحات وخططًا، ونؤمن بيقين عميق أنه تحت قيادة حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين عراب الرؤية حفظهما الله ، ومع الاستفادة المثلى من مواردنا الروحية والبشرية والمادية وقيمنا العالية ، سنحقق قفزات نوعية نحو مكانة عالمية أعلى، وهو الأساس الذي بُنيت عليه رؤية المملكة 2030، وستُبنى عليه رؤى ما بعد 2030 بإذن الله.
المرحلة القادمة للمملكة لن تقتصر على تجاوز التحديات الاقتصادية فحسب، بل تهدف أيضًا إلى إحداث تغيير جذري في الاقتصاد وإعادة تعريف المعادلة الاقتصادية العالمية، لنكون لاعبًا دوليًا مؤثرًا في الصدارة. نحن في المملكة العربية السعودية ندرك تمامًا طبيعة التحديات الاقتصادية الحقيقية وأيضا الوهمية والمفتعلة في هذه الرحلة، ونعلم قيمة النعم التي أكرمنا الله بها،ونلتف حول قيادتنا الرشيدة في مشهد من الولاء والحب والثقة المطلقة، لنحقق المكانة التي تستحقها بلادنا العزيزة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال