الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يُقال بأن جورج كيني ـ جنرال الجيش الأمريكي ـ واجه معضلة في غينيا الجديدة أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كان هنالك مسارين أمام القوافل اليابانية: إما المسار المغطى بالغيوم “الشمالي”، أو المسار المشمس “الجنوبي”. فإذا قامت القوافل اليابانيه باختيار المسار الجنوبي المشمس، سيتم تدمير القافلة إن وجّه كيني طائرته لنفس الإتجاه، أو ستبقى دون ضرر إذا اختار كيني مراقبة المسار الشمالي. في المقابل، إن اختارت القافلة المسار الشمالي الغائم، فقد تتعرض لبعض الأضرار، ولكن من المرجح أن تنجو بعض السفن في حال تعرضت القوافل اليابانيه الهجوم من قِبل كيني، وأكيد ستبقى بدون ضرر إذا اختارت القوافل اليابانية المسار الشمالي واختار كيني مراقبة المسار الجنوبي والذي يعني يعطي نتائج ومخرجات اللعبة الصفرية “Zero-sum Game” .
توقع كيني اختيار القوافل اليابانية، وتبعًا لذلك قام بدوريات في المسار الشمالي، فلحقت القوافل اليابانية بعض الأضرار نتيجة لذلك، هذه النقطة تعرف بنقطة السرج. هذا الحدث ـ بجانب العديد من الأحداث المعاصرة المرتبطة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ـ هو مثال بسيط لاستخدام نظرية الألعاب في المجال العسكري. فماهي نظرية الألعاب بتجرد وإيجاز؟
لنبدأ بتوضيح بما يُعرف “بمعضلة السجينين”، لنفترض أن يُحتجز اثنين من المشتبه بهم في جريمة كبيرة في زنزانتين منفصلتين. هناك أدلة كافية لإدانة كل منهما بجريمة بسيطة، ولكن ليس هناك أدلة كافية لإدانة أي منهما بالجريمة الكبيرة ما لم يقم أحدهما بالإبلاغ عن الآخر (الوشاية). إذا بقيا كلاهما صامتين، سيتم إدانة كل منهما بالجريمة البسيطة وسيقضيان سنة واحدة في السجن. إذا وشى أحدهما فقط، سيتم إطلاق سراحه واستخدامه كشاهد ضد الآخر، الذي سيقضي أربع سنوات في السجن. أما إذا وشى كلاهما، فسيقضي كل منهما ثلاث سنوات في السجن. وبافتراض ان كلاهما عقلانيون Rational، يمكن نمذجة هذه الحالة كلعبة استراتيجية:
أما ترتيب المشتبه به 2 فهو (صمت، وشاية)، (صمت، صمت)، (وشاية، وشاية)، (وشاية، صمت).
يمكننا تمثيل اللعبة بجدول بشكل مختصر. أولاً، نختار دوال عوائد تمثل ترتيب تفضيلات المشتبهين. بالنسبة للمشتبه به 1، نحتاج إلى دالة u1 بحيث:
((وشاية، صمت) < ((صمت، صمت)) < ((وشاية، وشاية)) < ((صمت، وشاية)).
هذا يعني إذًا:
u1 (وشاية، صمت) = 3، u1(صمت، صمت) = 2، u1(وشاية، وشاية) = 1، وu1 (صمت، وشاية) = 0.
بالنسبة للمشتبه به 2، يمكننا أيضًا اختيار دالة u2 بحيث:
u2 (صمت، وشاية) = 3، u2 (صمت، صمت) = 2، u2(وشاية، وشاية) = 1، وu2 (وشاية، صمت) = 0.
باستخدام هذه التمثيلات، يتم توضيح اللعبة في الجدول أدناه، حيث يمثل الصفان الأفعال المحتملة للاعب 1، بينما تمثل الأعمدة الأفعال المحتملة للاعب 2، والأرقام في كل مربع تمثل عوائد اللاعبين لمجموعة الأفعال التي يمثلها المربع، مع ذكر عائد اللاعب 1 أولاً.
هذه أربع سيناريوهات مع مخرجات كل لاعب، ماهي الطريقة المثالية لكلا الطرفين لاتخاذ القرار؟
تُعبّر معضلة السجينين عن حالة يكون فيها المكاسب للطرفين هي من مخرجات التعاون (حيث يفضل كلا اللاعبين الصمت على أن يختار كلاهما الوشاية)، ولكن في نفس الوقت، كل لاعب لديه حافز للاستفادة الشخصية (اختيار الوشاية) بغض النظر عما يفعله اللاعب الآخر. هذه اللعبة مهمة ليس لأننا مهتمون بفهم دوافع السجناء للاعتراف، بل لأن العديد من الحالات الأخرى لها بنية مماثلة. الصيغة العامة التي يتم فيها وصف اللعبة يكون وفقًا لهذا التواتر: من يلعب أولًا، المعلومات المتاحة لكل طرف، العوائد لكل اللاعبين بناء على اختياراتهم ومن ثم توزيع احتمالات للحركات الناتجة. فمعضلة السجينين هي مثال بسيط يتم استخدامها كمقدمة لفهم نظرية اللعبة بطريقة خالية من التعقيد، فقد تم تطوير، بل واستخدام النظرية في المجالات الحربية والسلمية.
السؤال البديهي الآن، ماعلاقة ذلك بالاقتصاد والأسواق المالية؟
مبدئيًا، يقوم اقتصاد المعلومات بتحليل الحالات التي تمتلك فيها الوحدات الاقتصادية معلومات غير متماثلة “Asymmetric information”. ففي الاقتصادات التي تتضمن معلومات غير متماثلة، يكون مفهوم التوازن الأنسب هو توازن التوقعات العقلانية. يستخدم كل وكيل اقتصادي جميع المعلومات المتاحة له، بما في ذلك المعلومات المجمعة والمقدمة من أسعار السوق، لاتخاذ القرار.
من هذا المنظور توفر نظرية الألعاب أساسًا تحليليًا قويًا لنمذجة وتوقع التفاعلات البشرية، ومن ناحية أخرى، يُعد اقتصاد المعلومات أداة تميز كيفية تأثير المعلومات، أو نقصها، على اتخاذ القرارات. معًا، تساعد هاتان الأداتان ـ عندما لا يمكن استنباط استنتاجات واضحة من الملاحظة أو الحدس فقط ـ في توفير فهم دقيق وعلمي للسلوكيات الاستراتيجية للمنتجين والمستهلكين والوسطاء والمنظمين للسلع والخدمات المختلفة التي تعد أساسية لعمل الاقتصاد والمجتمع. ومن البديهي أن الافتراض الأساسي لكلا الأداتين هو أن متخذي القرارات يتسمون بالعقلانية والاستراتيجية ـ وإن كان ذلك بحدود معينة ـ وأنهم يقومون بحسابات تهدف إلى تحقيق أقصى منفعة، متوقعين أن الأطراف الأخرى عقلانية واستراتيجية كذلك. على سبيل المثال لا الحصر، نظرية المحفظة الحديثة أو نموذج ماركويتز لهاري ماركويتز يقوم بموازنة المخاطر والعوائد من خلال إنشاء الحدود الكفؤة، وهي مجموعات من الأصول التي تحقق عوائد مُثلى معدلة وفقًا للمخاطر المتوقعة أو غير المتوقعة. إذًا المكون المشترك بين نظرية اللعبة واقتصاديات المعلومات ونظرية التوقعات العقلانية هو المعلومات غير المتماثلة. تعد نظرية اللعبة طريقة رياضياتية مثالية لتمثيل بعض الظروف التي يكون فيها اللاعبين لا يملكون معلومات متماثلة، بالتالي كل طرف فيه يسعى لتحديد استراتيجياته المناسبة بناء على ذلك.
المصلحة الفردية مقابل المصلحة الجماعية
يمكن النظر لعام 2008 من نفس عدسة “معضلة السجينين”، حيث يمكن تفسير انهيار شركات استثمارية كبيرة مثل ليمان براذرLehman Brothers وفقًا لذلك.
في الفترة التي سبقت الأزمة المالية عام 2008، كانت البنوك والمؤسسات المالية تشارك في أنشطة عالية المخاطر مثل إصدار الرهون العقارية عالية المخاطر وخلق مشتقات مالية معقدة مثل الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية MBS والتزامات الدين المضمونة CDOs كانت هذه الأنشطة مربحة للغاية على المدى القصير لكنها تحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل:
نتيجة أزمة 2008 كانت نظامًا ماليًا ضعيفًا للغاية أمام الصدمات. عندما بدأت أسعار المنازل في الانخفاض وزادت حالات التخلف عن السداد في الرهون العقارية عالية المخاطر، انهار النظام بالكامل، مما أدى إلى أزمة مالية عالمية. في نظرية الألعاب، يحدث توازن ناش عندما لا يستطيع أي لاعب الاستفادة من تغيير استراتيجيته بشكل منفرد إذا ظلت استراتيجيات الآخرين دون تغيير. في هذه الحالة كان توازن ناش هو استمرار كل بنك في اتخاذ المخاطر، لأن الانحراف عن هذه الاستراتيجية (مثل أن يكون أكثر تحفظًا) سيؤدي إلى أرباح أقل مقارنة بالمنافسين الذين استمروا في اتخاذ المخاطر. تطبيق مباشر على توازن ناش خارج إطار أزمة 2008 هو استراتيجية تسعير النفط لدى أوبك مثلًا، فغالبًا ما استخدمت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) استراتيجيات تعكس مبادئ نظرية الألعاب. من خلال تعديل مستويات إنتاج النفط، تمكنت أوبك من التأثير الاستراتيجي على أسعار النفط، وهو مثال كلاسيكي على “توازن ناش” في التطبيق. حيث لا يمكن لأي لاعب في هذه الحالة أن يحقق مكاسب بتغيير استراتيجيته بمفرده. هذا التوازن يستخدم عادة في الشركات عندما يكون السوق في حالة “احتكار القلة”.
في ضوء التعقيدات التي تقدمها الأسواق المالية، توفر نظرية الألعاب أداة لا تقدر بثمن لفهم التفاعلات الاستراتيجية بين اللاعبين الرئيسيين. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن الأسواق ليست مجرد ألعاب نظرية، بل هي ديناميكية ومعقدة. لذا، بينما نستفيد من رؤى نظرية الألعاب، يجب أن نكون مستعدين للتكيف مع العوامل السلوكية والاقتصادية المتغيرة باستمرار. في النهاية، يبقى السؤال: كيف يمكننا استخدام هذه الأدوات لتحسين استراتيجياتنا في مواجهة التحديات المستقبلية؟
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال