الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
خلال العام المنصرم، كنت في رحلة عمل استمرت لمدة عام في إحدى شركات النفط الكبرى والكائنة بشمال ولاية كاليفورنيا، وتحديدًا بالقرب من مدينة سان فرانسيسكو.
وأكثر ما شد انتباهي بهذه الولاية هو توجهاتها الضخمة والواضحة في الاستدامة.
سميت ولاية كاليفورنيا بالولاية الذهبية وقيل ان ذلك نسبة إلى وفرة مناجم الذهب فيها. وتعتبر من أكبر الولايات الأمريكية من حيث عدد السكان، وثالثها من حيث المساحة. تمتد الولاية على طول الساحل الغربي، وتطل على المحيط الهادئ. وتتميز بمناخها المعتدل طوال العام وبها العديد من الشواطئ الخلابة مثل خليج الهاف مون، وبيغ سور، وكاراميل باي ذا سي، ومونتيري، وسانتا كروز، وسانتا مونيكا وغيرها، وبها بحيرة جميلة، تعرف باسم بحيرة تاهو، ويوجد فيها أيضا منتزه يوسميتي الوطني الشهير. تضم الولاية مدنًا بارزة مثل سان فرانسيسكو، لوس أنجلوس، وسان دييغو، وسان خوسيه، وهي موطن لأهم شركات التقنية في العالم مثل آبل، إنفيديا، تيسلا، لوسيد، مايكروسوفت، وجوجل، الواقعة في وادي السيليكون. كما تحتضن صناعات هامة مثل الأدوية والتقنية الحيوية، بالإضافة إلى صناعة السينما العالمية مثل هوليوود.
تُعد كاليفورنيا أيضًا من أكثر الولايات عراقة في البحث العلمي والتطوير، وقد تتفوق في هذا المجال على نظيراتها في الولايات الأخرى، ويوجد بها العديد من مراكز الأبحاث الوطنية مثل مختبرات لورانس الوطنية في بيركيلي وليفرمور، ومختبرات سلاك التابع لجامعة ستانفورد، وكالتيك في باسادينا بلوس أنجلوس، كما تضم أشهر الجامعات الأمريكية والأولى على مستوى العالم. وقيل لو كانت كاليفورنيا دولة مستقلة، لكانت خامس أقوى اقتصاد في العالم، متفوقة على دول كبرى مثل بريطانيا.
تُعد الولاية نموذجًا يُحتذى به في تبني مبادئ الاستدامة البيئية، حيث تسعى جاهدة للحد من التغير المناخي وانبعاثات الكربون من خلال تنمية وتشجيع الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس، الرياح، والهيدروجين الأخضر، مع فرض العديد من السياسات والمعايير الخاصة والصارمة أحياناً لتحقيق ذلك.
كما تُظهر الولاية التزامًا واضحًا بدعم التحول إلى السيارات الكهربائية، وذاتية القيادة مثل “تاكسي وايمو”، مما يجعلها واحدة من أكثر الولايات انتشارًا لهذا النوع من المركبات ومواقع الشحن الخاصة بها.
كما تنتج ولاية كاليفورنيا الكهرباء من مصادر متعددة تشمل الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي والفحم، بجانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما تستفيد الولاية من الطاقة الكهرومائية والحرارة الجوفية والطاقة النووية. وفي الآونة الأخيرة، شهدت الولاية أيضًا زيادة في استخدام الوقود الحيوي كمصدر للطاقة. اما فيما يخص الهيدروجين الأخضر، فقد انشئت اول مركز للهيدروجين الأخضر على مستوى الولايات في عام 2023 بتمويل وصل إلى 12.6 مليار دولار، ويهدف الى خفض الانبعاثات بمقدار مليوني طن سنويا لدعم قطاع النقل والصناعات الثقيلة. وبفضل هذه التنوع في المصادر، تمكنت من تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري وزيادة استخدام مصادر الطاقة النظيفة بشكل ملحوظ.
بحلول بداية عام 2024، امتلكت الولاية قدرة إنتاجية تقارب 20,000 ميغاواط من الطاقة الشمسية، ما يكفي لتزويد مدن كبرى مثل لوس أنجلوس بالطاقة. كما تحتضن الولاية أكثر من 6,000 توربينة رياح موزعة في مناطق مختلفة، حيث ساهمت طاقة الرياح في توليد حوالي 11-12% من إجمالي الكهرباء في عام 2023. بالإضافة إلى ذلك، أسهمت الطاقة النووية بنسبة 7-9% من إنتاج الكهرباء من خلال محطة “ديابلو كانيون” النووية وفقا لتقارير إدارة الطاقة الامريكية.
في عام 2020، وصلت نسبة توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة إلى 59%، وفقا للبيانات الرسمية، وكما حققت اكتفاء 100% في أبريل 2024 لفترات محددة خلال اليوم، وصلت في بعض الأوقات لست ساعات.
وتسعى الولاية لتحقيق هدف 100% طاقة نظيفة بحلول عام 2045.
أما بالنسبة لتخزين الطاقة، فقد شهدت الولاية زيادة في قدرة بطارياتها التخزينية بنسبة 30% خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2024، مما يعكس التزامها القوي بالاستدامة والعمل على إنشاء شبكة كهرباء نظيفة ومستدامة في المستقبل.
أما فيما يخص قطاع النقل، تعتمد كاليفورنيا على مزيج خاص من البنزين يُعرف باسم “California Reformulated Gasoline” (CaRFG)، وهو وقود معالج وفقًا لمعايير صارمة تهدف إلى تقليل الملوثات مثل الكبريت، والبنزين، والأوليفينات، مع إضافة الأوكسجين لتحسين كفاءة الاحتراق والحد من الانبعاثات السامة، بما في ذلك انبعاثات الكربون.
وبالرغم من ذلك، أكثر ما يعوق تقدم الولاية في مجال الطاقة المتجددة، إلى جانب طبيعتها القاسية نوعا ما مثل الجفاف وندرة الامطار وحرائق الغابات، هو التكاليف التشغيلية العالية، والتقلبات الاقتصادية، والبنية التحتية، حيث لا تزال الولاية تعتمد على شبكات كهرباء قديمة غير قادرة على استيعاب التوسع الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة. كما تعاني الولاية من محدودية تقنيات تخزين الطاقة، مما يؤثر سلباً على استقرار إمداداتها.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه كاليفورنيا تحديات تتعلق بسياسات التشغيل والتنسيق بين الهيئات الحكومية والشركات، فضلاً عن الأثر البيئي الضار المحتمل لبعض المشاريع، فعلى سبيل المثال، فقد تؤدي مزارع ألواح الطاقة الشمسية إلى الإضرار بالنظم البيئية المحلية مما يفرض عليها سياسيات صارمة للحد من هذه المخاطر، ومما قد يقلل من الرغبة في الاستثمار فيها.
كاليفورنيا هي ثاني أكبر مستهلك للطاقة بين الولايات الأمريكية بعد تكساس، وبالرغم من إسهاماتها الواضحة في الطاقة المتجددة، فهي تعتبر سابع أكبر ولاية منتجة للنفط، وثالث أكبر ولاية من حيث القدرة على تكرير النفط الخام، حيث تضم 14 مصفاة نفط، من أشهرها مصفاة ريتشموند التابعة لشركة شيفرون، والواقعة في شمال خليج مدينة سان فرانسيسكو، و التي أنشئت عام ١٩٠٢ وتبلغ طاقتها الانتاجية حوالي ٢٤٥ الف برميل يوميا، وتوجد مصاف اخري شهيرة في ايل سيغوندو، ومارتينيز. وبالرغم من أن الولاية تستحوذ على حوالي 3٪ من احتياطي النفط الأمريكي الخام، ويوجد بها أشهر حقول النفط الأمريكية، فهي مازالت تستورد جزء كبير منه وتكرره لتغطية احتياجاتها.
وختاما، تعتبر كاليفورنيا مثالا حياً في تبنى الاستثمار الجريء في الطاقة المتجددة. وتعكس هذه الجهود رؤية الولاية الطموحة نحو مستقبل أكثر استدامة. وبالرغم من التحديات الكبرى والإخفاقات التي قد تواجه هذا النوع من الاستثمارات بشكل عام، فقد تساهم ولاية كاليفورنيا في تقديم نموذج حي للتعلم من مميزات وسلبيات الاستثمار في الطاقة المتجددة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال