الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
مدخل إلى الحوكمة
استكشف بوب تريكر، الشخصية البارزة في مجال حوكمة الشركات، في كتابه “حوكمة الشركات” بشكل موسع تطور أنظمة وممارسات الحوكمة. وقدمت رؤاه فهمًا شاملًا لكيفية تحول الحوكمة على مر السنين، متأثرة بالاحتياجات المجتمعية، والظروف الاقتصادية، والأطر التنظيمية.
يمكن تتبع تاريخ الحوكمة، وفقًا لتريكر، إلى الحضارات القديمة حيث تم تأسيس أشكال مبكرة من الحوكمة. كانت هذه المجتمعات عادةً تتبنى أنظمة مُلكية مُطلقة أو أنظمة ثيوقراطية، حيث كانت عملية اتخاذ القرار مركزة في أيدي القلة، مع غياب ملحوظ للمبادئ المتعلقة بالمساءلة والمسؤولية، مما أدى إلى حكم اعتباطي.
قرنا التنوير الأوروبي، السابع عشر والثامن عشر، كانا نقطة تحول هامة في تطور الحوكمة. ففيهما، قدم مفكرون مثل مونتسكيه، وجان جاك روسو، وجون لوك أفكارًا حول فصل السلطات والعقد الاجتماعي، مما وضع الأساس لمبادئ الحوكمة الديمقراطية الغربية الحديثة. أكدت هذه التقدمات الفلسفية والسياسية والاجتماعية على أهمية المساءلة والتمثيل، مما شكل الهياكل السياسية والاجتماعية الغربية التي نعرفها اليوم، والتي انتقلت مفاهيمها إلى القطاعات الأخرى مثل الاقتصاد والإدارة.
مع دخول القرن التاسع عشر وصعود الصناعة بعد ثورتها الأولى، بدأت فكرة حوكمة الشركات تتشكل بشكل منظم. وأصبح من الواضح بعد ظهور الشركات الكبرى الحاجة إلى إدارة الشركات بشكل فعال وأن تكون الإدارة مسؤولة أمام المساهمين بشكل مقنن مستندة إلى نظام موثق ومتفق عليه بسط يده على ممارسات الإدارة. ويوضح تريكر أن هذه الحقبة شهدت بداية تشكيل ممارسات الحوكمة، مع إنشاء مجالس إدارة وتقديم الأطر القانونية لحماية حقوق المساهمين. ويعد مفهوم الشركة ذات الذمة المحدودة من أهم أطر الحوكمة في القرن التاسع عشر ، حيث فصل بين المشاركة والملكية الخاصة، مما شجع المستثمرين على ضخ مزيد من الأموال في هذا النوع من الشركات دون الخوف من تحملهم مخاطر الخسارة بشكل شخصي.
جلب القرن العشرون تغييرات تنظيمية كبيرة في الحوكمة، خاصة بعد الأزمات المالية والفضائح وحالات الفساد في الشركات. وقد كان تأسيس لجنة الأوراق المالية والبورصات عام 1934 في الولايات المتحدة بعد انهيار البورصات وأزمة الكساد الكبير تطورًا حاسمًا في تعزيز الشفافية والمساءلة في حوكمة الشركات. يؤكد تريكر أن هذه التدابير التنظيمية كانت ضرورية لبناء ثقة المستثمرين وضمان السلوك الأخلاقي داخل الشركات.
مع تسارع العولمة في أواخر القرن العشرين، واجهت الحوكمة تحديات وفرص جديدة. بدأت الشركات تعمل عبر الحدود، مما أدى إلى تنوع في ممارسات الحوكمة المتأثرة بالثقافات المحلية واللوائح. وشهد العالم ظهور معايير الحوكمة الدولية، مثل مبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لحوكمة الشركات، التي تهدف إلى توحيد الممارسات وتعزيز فعالية الحوكمة على مستوى العالم.
في السنوات الأخيرة، كان على الحوكمة التكيف مع التطورات التكنولوجية السريعة وتغير توقعات المجتمع، وأصبحت قضايا مثل المسؤولية الاجتماعية للشركات، وحماية البيئة، والاستدامة، والمشاركة مع أصحاب المصلحة مركزية في مناقشات الحوكمة. يشير تريكر إلى أن المشهد الحوكمي الحديث يتطلب نهجًا أكثر شمولية، يدمج الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في عمليات اتخاذ القرار.
في ظل ما يتردد دائمًا في أدبيات الحوكمة، عبارة “إذا كان القرن العشرون هو قرن الإدارة، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن الحوكمة“، نظرًا لأن نظريات الإدارة قد بلغت تقريبا حد الكمال من حيث الأسس الفلسفية في القرن المنصرم، تعد مبادئ الحوكمة في هذا القرن في بداية شبابها، أو ربما طفولتها، إذا أخذنا بالاعتبار تطورات الذكاء الاصطناعي وحتمية حوكمة ممارساته بشكل فعال وشامل. وهذا موضوع مستقل وحيوي وحديث الساعة، وسنتطرق إليه في مقال لاحق بمشيئة الله.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال