الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
مقدمة وتمهيد:
من المعالم البارزة للرقي والتطور الإنساني والحضاري على مرّ العصور تكييفُ الإنسان لبيئته ومحيطه بما يتماشى مع حاجاته وتطلعاته ورغباته وتحدياته، بل نكاد نجزم أنها من السُّنن والحِكَم التي أودعها الله -سبحانه وتعالى- في الخلق حين جعل آدم – عليه السلام- خليفةً في الأرض، يدبر أمور نفسه وغيره، بما أودع الله فيه من القدرات والمدارك العقلية والجسدية. وعلى هذه السنة تربّى ابن آدم من جيلٍ لآخر، ناقلاً معه ما اكتسبه مما أوتي من العلم، يكيّف به عالمه ومحيطه، سواء تمثل ذلك في تلبيةِ الحاجاتِ، أو إشباع الرغبات أو مكافحة التحديات… فما العلوم التطبيقية والنظرية بأنواعها، كالطب والزراعة والصناعة مثلاً، أو وسائلها كاللغات والقراءة والكتابة- إلا سبيلٌ في إشباع الانسان لهذه الغريزة في التكيّف والتحويل.
ومن طبيعة هذه الغريزة أن تكون متعديّة لا لازمة، فهي تحتاجُ لاستخراج واستحداث الموارد والمصادر والأدوات المختلفة، الحسّية وغير الحسية منها، وإلى الجهد الفكري والجسدي. وهي أمورٌ اختلف فيها البشر باختلافِ قدراتهم وإمكانياتِهم وأزمنتِهم وأماكنهم. وتأسيسًا على ذلك لعلّنا لا نخطئ في تعريف الذكاء والتطور البشري حين نقولُ إنه القدرةُ على استحداث وتكييف الموجودات والموارد الذاتية، وغير الذاتية لتلبية الحاجات، وإشباع الرغبات، ومكافحة التحديات، سواء تمثل ذلك بجوانبَ شخصيةٍ أو اجتماعيةٍ أو نفسيةٍ أو اقتصاديةٍ أو غيرها…
ومن هذا المنطلق نجد الأدبياتِ والعلومَ المختلفة زاخرةً بمختلف النظريات والفرضيات التي تسعى إلى تنظيم وتفسير علاقة الإنسان بمحيطه، سواء تمثل ذلك بالجوانب الاقتصادية، مثل تبرير القيمة الاقتصادية للسلع والمنتجات والممتلكات، أو ما يبنى عليها من نتائج كالملكية والاستحقاق والقانون وغيرها مما ينظم علاقة البشر بعضهم ببعض وبمحيطهم، سواء دارت هذه النظريات على بذل الجهدِ كأساسٍ للقيمةِ، أو الاستحقاقِ الاقتصادي والقانوني، والاجتماعي، أو العرض والطلب، والندرة والوفرة، كأساسٍ لتقييم العنصر البشري، ومنتوجه من الفكر والسلع، أو الجدوى والمنفعة أو غيرها. كذلك المبادئ والقيم التي تسعى لتنظيم علاقة الإنسان بمحيطه اجتماعياًّ، مثل الرعاية والكفالة أو المحافظة على النفس والغير. فكلما تقدمت القدرة البشرية على تكييف المحيط من خلال الأدوات والتقنيات بشكل أكبر وعلى التكيّف مع ذلك، تعقدت العلاقةُ الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ والقانونيةُ بصورةٍ أكبر، لتمتد مما هو محسوسٌ إلى ما هو غير محسوسٍ، وإلى عوالم افتراضية جديدة.
ومع تقدم القدرة يزداد الإدراك البشري بالحاجات والرغبات إلى حد تشكّل رغباتٍ وحاجاتٍ جديدةٍ، سواء كانت حاجاتٍ حقيقيةً أو مبتكرةً، حتى وصلنا في القرنين الماضيين إلى مستوى متقدمٍ من القدرة على التطويرِ والتكييف، تحولنا فيه أحيانًا إلى أن نكونَ أصحابِ الحاجة إلى التكيّف، أكثر من كوننا أصحاب القرار في التكيّف كمجتمعاتٍ وأفرادٍ، سواءً أكان ذلك في الحاجة لتكييف أنفسنا أو مشاعرنا، أو أجسادنا أو عقولنا، أو ممتلكاتنا. ولنا هنا أن نذكر العديد من الأمثلة، إلاّ أننا نكتفي بالإشارة إلى مثال الحاجة على تعلُّم كيفية استخدام التقنيةِ للحصولِ على خدماتٍ مختلفة تعتبر من الأساسيات. من جانب آخر، أصبحت أدواتُ التكييف التي نملكها كأفرادٍ ومجتمعاتٍ تتعدى تحديد قيمة السّلع والحاجات، إلى تحديدِ قيمِنا بصفتنا بشراً. فأنت هو مالُك أو وظيفتُك أو ما تستهلكه مثلاً. كما نجد أن هذا العصر الذي نعيشه اليوم يعتمد أكثرَ من غيرِه على البيانات ومعالجتها في عملية التكيّف والتكييف والتعايش مع محيطنا، بالإضافة إلى فرقٍ مهمٍّ جدًّا، وهو أنه على مرّ التاريخ البشري، تولّى مهمةَ انتقاء وجمع ومعالجة البياناتِ كأدواتِ لتمكين القدرةِ على التكييف البشر أنفسهم. أمّا في عصرِنا هذا، فقد ابتدأنا تدريجيًّا بإيكال هذه المهمة إلى ما هو غيرُ بشريّ. ولعلنا في طور التوجه إلى إيكال أولويات انتقاء هذه البيانات والقرارات التي تبنى عليها كذلك! سواء تمثل ذلك بالذكاء الاصطناعي عمومًا أو التوليدي.
وهذا يسلط الضوءَ على أحد أهمِّ الفترات في التاريخ البشري، وهي التي نعيشها اليوم، من حيث تحديد القيمةِ والجدوى الاقتصاديةِ والسياسيةِ والاجتماعية. فمع انفجار ثوراتِ البياناتِ والتقنيات الذكية المختلفة، سواءٌ تمثلت في الذكاءِ الاصطناعي، أو العالم الافتراضيّ، أو غيرها، أصبحنا نتعامل مع مستوياتٍ أعلى في القدرة والوسائلِ على التكيّفِ والتكييف.
ومن جانب إيجابي، فإن وعينا بأنفسنا يظل مرهوناً باتصالنا بعالمنا ومن حولَنا وما يفرِّقنا بين أنفسنا ومع غيرنا، وذلك امتدادٌ لسنة الرحمن في أن الفرق بين الإنسان وغيره هو العقل والوعي، كما جُعل البشر شعوباً وقبائل ليتعارفوا. فالوعي بالآخر مفتاحٌ للوعي بالنفس، وعظم الوجود البشري. من هذا المنطلق، فإن استثمارنا فيما يرفع هذا الوعي بما يخدمنا كبشرٍ هو امتدادٌ لهذه السنة الإلهية.
أما من جوانب أخرى، فإن هذا التقدم السريع يطرح تساؤلاتٍ كثيرةً لا تحصى، من شأنها أن تؤثر على موقعِ الإنسانِ كالأداة والعاملِ الرئيسيّ في عملية التكيّف والتكييف (على النظريات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة). وهذه التساؤلات تدعو إلى الحاجة لإعادة التفكير في الإنسان كالعنصر الرئيسيّ في الجدوى والقيمة الاقتصاديةِ، والاجتماعية، والعلمية، وفي صناعة التاريخ حاضرِه ومستقبلِه.
التساؤلات:
وما يرمي إليه مقالُنا اليوم هو الوقوف على عدد من التساؤلات المثيرة للجدلِ، أو المستحقة للتأمل، والتي تحيط بالذكاء الاصطناعي وما شابهه من تقنياتٍ تنقل مهمةَ جمع المعلومات، أو معالجة البيانات أو استنتاجاتها في العلوم المختلفة (كأدوات رئيسية في التكيّف والتكييف)، مما هو بشري إلى ما هو غير ُبشري، مع العلم بأن كل تساؤل يستحق بحثًا مطولاً، كما يوجد الكثيرُ مما نشر حول هذه التساؤلاتِ في المؤلفاتِ الاقتصاديةِ، والاجتماعية، والفلسفية المختلفة. ولا نقصد هنا إلقاء ظلٍّ من السلبية التامة على الذكاء الاصطناعي كظاهرة، وإنما نسعى لرفع مستوى الوعي بالتحديات التي قد تأتي مع التقدم التقني. فهدفنا اليوم وضع مرجع يدوّن التساؤلات التي تستحق الوقوف، دون الحسم بما قد يأتي فعلاً في الفترة المستقبلية. ونوردها على الأصعدة القانونية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
الجانب القانوني
بالنسبة للجوانبِ القانونية، فإن أكبر تغيير يأتي من الذكاء الاصطناعي هو أثرُ نقل القدرةِ على صناعة القرارِ والتكليفِ، والحيازة من العنصر البشري إلى ما هو غيرُ بشري. ويؤدّي ذلك إلى عددٍ من التساؤلات الكثيرة، منها مثلاً:
الجانب الاقتصادي:
أما على الصعيد الاقتصادي، فيمثل الذكاءُ الاصطناعيُّ إشكالاً في أثر الإحلال محل العنصر البشري في إعادة تقييمِ السلعِ والخدماتِ من خلال إعادة تسعير اليد العاملة وأدائها، بالإضافة إلى تحويل الأدواتِ والموارد، كالبيانات وتقنياتها، إلى موردٍ محتكَرٍ. ومن الممكن الإشارة إلى عددٍ من التساؤلات المترتبة على ذلك، ومنها:
13. هل يؤدي تقدمُ الذكاء الاصطناعي وفاعليتُه باستمرار إلى نموٍّ اقتصاديٍّ مستمرٍّ، أم أنه يأتي بأشكالٍ جديدةٍ للدورات الاقتصادية المختلفة؟
14. كيف نتفادى الآثارَ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ التي قد تتولّد من استبدالِ العنصر البشري في سوق العمل؟ سواءٌ أتمثل ذلك في آثارٍ على مستوى التوظيف، ودخل الأيدي العاملة، أو قاعدة الاستهلاك والسيولة المتوفرة لهم.
15. هل يؤدي انتشارُ الذكاء الاصطناعي بشكلٍ واسعٍ إلى الحاجة لإعادة تشكيلِ نظرياتِ قيمةِ وتقييمِ السلع والخدماتِ الاقتصاديةِ المختلفة؟ وكيف نقيّم العنصر البشريَّ أو قيمةَ يديه العاملة؟ وعلى أي أساس يتم تقسيم المادة والناتج الاقتصادي وتنظيم استحقاقه إذا لم يكن مستندًا على نسبة العنصر والجهدِ، أو الذكاء البشري مثلاً؟
16. مع انتشار الذكاء الاصطناعي، هل ينبغي على المجتمعات والاقتصادات المختلفة التفكير جديًّا في التحوّل إلى دولٍ ذات برامج ريعيةٍ أشمل، تعيد استثمار القيمة في المجتمعات، أم أنها تكتفي بما هو موجود مع دعم الابتكار والتطوير في التقنيات والمهارات؟
17. إلى أي مدىً نسمح باحتكار تقنياتِ وبياناتِ الذكاء الاصطناعي؟ وهل يترتبُ على احتكارها ضرائبُ أو التزاماتٌ أعلى؟
18. هل يؤدي الذكاءُ الاصطناعي إلى التقليل من المساواةِ الاقتصاديةِ والاجتماعية؟ وكيف نتفادى حصول ذلك أو نحوكمُ السباقَ نحو تطوير تقنياتٍ أفضل.
19. هل يؤدّي استخدامُ الذكاء الاصطناعي في البيئات الماليةِ والاقتصاديةِ إلى التقليل من الاضطراباتِ الاقتصادية؟ أم أنه يرفع من مستوى الاختلاف في توفر البيانات والقدرة على معالجتها لدى التقنيات المختلفة مما يولد فرصًا أكبر للمراجحة الاستثمارية، وبالتالي الاضطرابات؟ وهل نفرض مثلاً أطراً لتوحيد البيانات المرتبطة لتفادي ذلك؟
20. هل يؤدي التطورُ المستمرُّ لتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الرفع من مستوى توطين وإعادة توطين الخبرات والصناعات والموارد المرتبطة بشكل أكبر، أم إلى عولمتها؟ وهل يؤدي ذلك إلى التأثير على شبكاتِ وسلاسلِ القيمة العالمية المختلفة؟ وما أثر ذلك مثلاً على برامج التحول الاقتصادي وتطوير القوى العاملة الوطنية؟
21. ما أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائفِ المؤقتةِ والمتنقلةِ؟
22. هل يؤدي التطورُ في الذكاء الاصطناعي، واحتكار البيانات إلى توسيع فجوة التقدمِ بين الأمم المختلفةِ إلى مستوىً يجعل تطور الأمم والمجتمعات المتأخرة مستحيلاً تقنياًّ؟ أم أن أثر الذكاء الاصطناعي في عولمة الموارد البشرية والتقنية المختلفة يغير من تفكيرنا حول معنى التقدم الأممي.
الجانب الاجتماعي والفلسفي العام:
وعلى الصعيد الاجتماعي والفلسفي وبشكلٍ أكثر عموماً، يشكل الذكاء الاصطناعي نقطةَ افتراق طرقٍ وتغيير في وعي وعلاقة الإنسان بمحيطه وغيره من البشر؛ إذ إن الوعي البشريّ قد اعتمد بشكل كبير على دور الإنسان، وتعامله مع نفسه، وغيره ومحيطه من خلال أشياء كثيره، أبرزُها التبادل والتعبير. ومن الممكنِ الإشارةُ إلى بعض التساؤلات المختلفة حول ذلك. ومنها:
23. كيف نقيسُ حجم التقدم البشري ومعناه عند وصولنا لمرحلة اعتماد عالية جدًّا على الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نعرّف الذكاء البشري ومعناه؟
24. هل يعيدُ الذكاء الاصطناعي رسمَ الأولويات العلمية بالنسبةِ للبشر، وبالتالي توجهاتِ البحث والتطوير والتقدم العلمي والأممي؟
25. ما أثر ُالذكاء الاصطناعي وقدرتُه المتزايدة على التعطش البشري للعلم والتطوير؟
26. هل يؤدّي الذكاءُ الاصطناعي وازديادُ الاعتماد عليه إلى اختلاطِ الأعراف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المختلفة بين الأمم؟ أو هل تطغى أعراف أو لغات أو ثقافات أممٍ ما على الأخرى؟
27. ما أثرُ الذكاء الاصطناعي على حوكمةِ المجتمعاتِ، وعلاقة الناس بعضِهم ببعض، ومؤسساتِهم وعلاقتِهم مع المؤسسات العامة وغيرها؟ وهل يؤدّي الذكاءُ الاصطناعي إلى التغيير في موازين القوى، والمسؤوليات بما يغير النماذج السياسية والاجتماعية المختلفة؟
28. هل يؤدي الذكاءُ الاصطناعي ونموُّ مخزون بياناته إلى التقليل من أهميةِ الأيديوليجيات والنظرياتِ السياسية والاقتصاديِة والاجتماعية المختلفة لصالح منهجية بياناتية قائمة على معطيات رياضية؟ وهل من الممكن التأكد فعلاً أن هذه المنهجيات خالية من المدخلات والتوجهات الأيديولوجية والفكرية لبعض الأعراف دون غيرها؟
29. هل يغير الذكاء الاصطناعي من مفاهيمنا حول المواهب الأدبية والفنية ومنتوجها؟ وهل يؤثر أداء الذكاء الاصطناعي على قيمتها؟ مثلاً، في انتاج نصوص ذات فصاحة لغوية وأدبية أو شعر أو في الفن التشكيلي والرسم.
30. إن كانت اللغة هي السبيل للتعبير عن الحالات الشعورية تجاه ماضي وحاضر ومستقبل الواقع والخيال، فما أثر الذكاء الاصطناعي على اللغة كوعاءٍ للثقافة والفكر؟ وهل إخضاع استخدامها لخوارزميات رياضية سيغير من نظريات ومعادلات التطور والشيوع والاستخدام في اللغة؟
خاتمة وتحليل:
نلاحظ مما تقدم أن أكثر التساؤلات التي تحيط بالذكاء الاصطناعي ومخاطره تدور حول محورٍ رئيسيٍّ يتجسّد في إسناد القدرة على اتخاذ القرار والتكييف والتطور، وبالتالي القيمة والجدوى الاقتصادية والاجتماعية، إلى ما هو غيرُ بشري، وبشكل يعتمد على البياناتِ أو التقنياتِ المحتكرة والمعقدةِ في الكمِّ أو النوع. كما أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل إشكالاً في تحقيق مكاسبَ وتقدمٍّ بشكل أسرع، أو أكثر فاعلية من تقدم القدرةِ البشريةِ على التكييف، مما يؤدي على إحلالِه محلّ الدّور البشري بشكلٍ تدريجيّ. ويؤدي ذلك إلى استحداثِ بيئةٍ جديدةٍ قد تفضل بعضَ البشر عن غيرِهم، من حيث القدرة والقابليةُ البشرية على التكييفِ، والتطوير من منظورٍ اقتصاديٍ وقانونيٍّ واجتماعي، بشكلٍ يعيق وجودَ المساواة من حيثُ الخياراتُ والقدرةُ على اكتساب هذه الأدوات. ونستذكر في هذا السياق ما حلَّ بالاقتصاداتِ والمجتمعاتِ البشرية في القرنين التاسع عشر والعشرين من خلال الثورة الصناعية في استحداث الأدوات والسبل المالية والاقتصادية والاستثمارية، إلاّ أن اللحاق بهذا التغيير يأتي بتعادلاتٍ وتصحيحاتٍ من جيلٍ لآخر.
لعل الحلَّ في اجتياز هذا التحدّي هو في التركيز في تطوير تقنياتِ الذكاء الاصطناعي، وتسيير أهدافها لخدمة البشر كافةً من خلال توسيع دائرةِ الفائدةِ والكفاءة، أكثر من التركيز على توسيع دائرة الاستهلاك، مع الابتعاد عن احتكار ِالأدواتِ، والمدخلات المعلوماتية والبياناتية. وهذا يفرض تغييراتٍ جذريةً في فلسفاتِ المجتمعاتِ، والسياسات والأسواق، وتوجهاً إلى المعاني الإنسانية السامية، أكثر منه إلى مبادئ التنافسية والحرية المطلقة للأسواق والاقتصادات. وإلا فإننا نتوجه إلى شكلٍ جديدٍ من أشكال اللامساواةِ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية الذي ليس له مثيلٌ، بحيث تصبح المعلوماتُ والبياناتُ كموردٍ ذو احتكارٍ دائم، وقيمة متوفرةٍ لبعض البشر دون غيرهم. ومع أن هذا هو الحال في تاريخ البشر بالنسبة للمواردِ المادية والفكريةِ، زماماً ومكاناً، إلا أنّ الذكاءَ الاصطناعي ومواردَه المعلوماتية والبياناتية تختلف اختلافًا جذريًّا هذه المرة عن غيرها من الموارد في كونها في تزايد واحتكارٍ متضاعفٍ ومستمرٍّ، خلافًا مثلاً للموارد الطبيعية التي تعتبر في تناقصٍ مستمرٍّ، وذات ارتباط جغرافيٍّ وزمانيٍّ أكبر. فلو قطعنا الزمنَ نحو مستقبلٍ يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، وأشكاله المختلفة من الأتمتةِ والاستقلاليةِ الكاملةِ، لوجدنا إشكالاً في أن الأتمتة التامّة والمستمرة من شأنِها إعادة تقييم القيمة البشرية الفكرية، والاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي التقليل من القدرة الاستهلاكية، وجدوى هذه التقنيات وقيمتها! الحلُّ إذن في محاولة إحداثِ توازنٍ بين الكفاءة التقنية والقيمة والحاجة البشرية في تفعيلِ هذ الكفاءة وتسييرها واستدامتها على مستوى المجتمع كلّه. وعلى صعيدٍ أكثر عمومًا، على البشرية أن تسيطر باستمرار على رسم أولوياتها الفكرية والعلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية حتى يخضع أي تقدم تقني مستقبلي في الذكاء الاصطناعي أو غيره إلى هذه الأولويات.
وبالإشارة إلى ما يجري مؤخرًا في المملكة العربية السعودية من الكثير من تطورات وإنجازات في القطاع، مثل (على سبيل التمثيل لا الحصر) مبادرة مشروع ال100 مليار لتطوير الذكاء الاصطناعي وبيئته ومواهبه، أو إعلان الرياض الأخير لذكاء اصطناعي شمولي ومبتكر ومؤثر، أو إطلاق سدايا لتطبيق علام (Allam) وغيرها من الإنجازات والتطورات، فيُرجى أن يحقق ذلك أثرًا إيجابيًّا ذا عمومٍ أكبر على المجتمعِ، وعلى العنصر البشري، وعلى وجهِ الخصوص في كون الراعي هو الدولةَ نفسَها. فمن خلال وضع مبادرات ذات أثرٍ أكثر عموماً على مستوى المجتمع والاقتصاد المحلي والدولي، فإننا قد نستطيع إحداثَ توازنٍ أكبرَ بين جوانب التقدم التقني، والقيمة البشرية، والحاجة البشرية، بحيث ندفع بممكناتِ التطوّرِ التقنيّ ومواردِه إلى الأماِم من جانبٍ، مع المحافظة على القيمة البشريةِ من خلال تطويرِ المواهبِ، والبيئات البشرية، وجعل هذه الموارد في متناول الجميع، من جانبٍ آخر، مع تفادي الاحتكار قدر الإمكانِ، وتحقيقِ العدالة والوقاية. وعلى الصعيد التجاري والاستثماري، سوف يسهم ذلك في تفادي بعض الاضطراباتِ المحتملةِ التي قد ترتبط بالقطاع مستقبلاً، مثلِ الطبيعة التناقصيةِ لقيمة الفرصِ الاستثماريِة مع شيوع التقنية، بحيث ندعم تقدم القطاعَ ومؤسساتِه العامة والخاصة من مراحل تطورِ النموِّ والنضج نحو الاختصاصِ والتكاملِ والتعادلِ بين اللاعبين المختلفين، وفق أولويات أوضح، مع التقليل من التعثر في المنافسة غير الهادفة. كذلك ما يجري في الدول الخليجية الأخرى من مبادرات، مثل ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة في إطلاق نموذج الصقر (Falcon Large Language Model) وتوفيره كإصدار برمجيات مفتوحة، أو في تمكين إصدار الرخص التجارية من خلال الذكاء الاصطناعي في إمارة الشارقة، كذلك إطلاق دولة قطر لمشروع تطبيق ونموذج فنار (Fanar) التوليدي. كما قامت مملكة البحرين بتجربة في تطبيق الذكاء الاصطناعي في رقابة وتطبيق الأنظمة، مثل السلامة الإنشائية عبر التعرف الذكي على الصور. هذا وقامت دولة الكويت في تجربة في التعليم على شكل عدد من المبادرات مثل اختبارات “ميزة” التي تهدف إلى تقييم مستوى الأداء والخلل في المخرجات والمدخلات التعليمية. أما حول ما يجري في سلطنة عمان، فنذكر هنا مثال تجربة تسيير الذكاء الاصطناعي كأداة تشخيصية في القطاع الصحي والعلاج. فما كل هذه التجارب إلى أمثلة ونماذج لمبادرات ذات عموم أكبر على مستوى المجتمعات، تسعى لتعظيم الفائدة على الجميع.
وللقارئ كذلك خيار مراجعة الكثير من الأطر المختلفةِ حول العدالةِ الاقتصاديةِ والتقنية، مثل ما ورد في أهداف التنميةِ المستدامةِ للأمم المتحدة (SDG) (مثلاً، الهدف 17) أو منجزاتِ رؤيةِ 2030 في توفيِر التقنيةِ، والاتصالات وممكناتِها أو غيرِها من الخططِ والأهدافِ، والمعايير. كذلك تقدم المملكة وترتيبها في مختلف المؤشرات الدولية في جاهزية وحوكمة الذكاء الاصطناعي. وقد شملت هذه الصحيفة على كوكبة من الكتاب التي تناولوا ذلك في مقالات مختلفة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال