الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
الولايات المتحدة الأمريكيـــــــــة – أغسطس – 1972م – سجل معدل التضخم مستوى طبيعي بــــــ 2.9%، وأغلق العام على مستوى 3.7%، ارتفاع ملحوظ بدأ يظهر على السطح، وصل ذروتـــه بعد عامين، حيث سجل التضخم في نهاية عام 1974م مستوى 11.9%، في مشهد يُعيد للذاكرة الأمريكية مستويات التضخم الهائلة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفــــــــاء. في فترة تضخم السبعينيات بدأت الحكومة بفرض حدودًا على أسعار الفائدة في البنوك – حيث لا يمكن الإقراض والاقتراض بمعدلات الفائدة المتاحة من البنك الفيدرالي والتي سجلت في حينها مستويات مرتفعة لتعمل على إيقاف تسارع التضخم الهائل، في تلك الظروف العصيبـــــة تجلى نجم جديد على الأسواق الماليــــــة، هيكل مالي جديد من الممكن خلاله تجاوز قيود الفوائد المفروضــــــــة على البنوك واستغلال بذلك سيولة المستثمرين التي كانت تنعم بسُـــــــــبات طويل ذلك الحين، الحديث عن صناديق أسواق النقد، التي وعلى الرغم من بداياتهــا الخجولة، ألا أنها أصبحت القناة التمويلية الأشهر والملجأ في أزمات النقد في الاقتصاد الأمريكي والعالم.
تُعتبر صناديق أسواق النقد مثل الصناديق المشتركة الأخرى ـ حيث يتم فيها جمع أموال العملاء في وعاء مالي وتُصدر له وحدة مشاركة – سهم – بسعر متداول في السوق يعتمد علة صافي أصول الصندوق ( الأصول – الالتزامات )، وللمستثمر القدرة على الاسترداد في أي وقت – صناديق النقد والصناديق المشتركة لا يكون فيها فترة حجز للأموال كما هي في الصناديق الخاصة وصناديق التحوط – ويستثمر الصندوق بهذه الأمـــــوال في أوراق مالية منخفضة المخاطر مثل المرابحات، الصكوك والسندات، الصناديق المماثلة، الأوراق التجارية الصادرة من الشركات وغيرها من الأوراق المالية التي لها مخاطر منخفضة – بعض صناديق النقد تتوجه الى أسواق المشتقات المالية والعقود الآجلة والمستقبلية، ولكن بكثير من القيود لكي لا تتحول هذه الأوراق الى تصنيف عالي المخاطر. وتعتمد هذه الصناديق بقوة على أسعار الفائدة، وتتأرجح بدرجـــــــــــة حساسية كبيرة معها.
تتميز صناديق النقد بسيولة عالية ومخاطر منخفضة وعوائد أفضل مما هي عليه الودائع المصرفية مع البنوك مباشرة، ولكن من الجهة الأخرى هذه الصناديق – في بعض الدول – غير مؤمن عليها كما هي الودائع المصرفية التي في الغالب تكون مؤمنة من قِبل أما الاحتياطي النقدي للبنك التجاري لدى البنك المركزي مباشرة أو من خلال مؤسسات التأمين الخاصة بالبنوك على هذا النوع من الودائع. نقطة الخمول السلبية الأبرز لصناديق النقد هي ارتباطها الوثيق مع معدلات الفائدة، في حال ثبات أسعار الفائدة على مستوى معين فأن هذه الصناديق تبقى على هذا المستوى بمعدل خطأ تتبع بسيط، الخمول الهائل في هذا المنتج المالي يتجاوز ما هو عليها في أسواق السندات، على أي حال، من الطبيعي ملاحظة ذلك بسبب معدلات العوائد المنخفضة فيها بسبب مخاطرها المنخفضة، لتعود بذلك مقولة – مخاطر عالية، عوائد أعلى –المنطق الأشهر في الأسواق للأذهان من جديد.
بسبب بناءها منخفض المخاطر عالي السيولة، تواجه صناديق أسواق النقد العديد من اللوائح والقوانين التي تُقيد حركتها بشكل هائل – وقد يكون مبالغ فيه بعض الأحيـــــــــــان – حيث لابد على صندوق النقد أن يلتزم بتنويع في محفظته بدرجة كبيرة بين الأوراق المالية المستثمر فيها وبين أيضًا المؤسسات التي يتعامل معها بربط الودائع المالية والمرابحات، حيث لا بد على الصندوق – على سبيل المثال – الالتزام بالتعامل مع نفس الطرف في الصندوق بنسبة 25% فقط من أجمالي أصول الصندوق، فلو كان هناك صندوق يُدير 100 ريال، فيستوجب عليه ربط 25 منها بحد أعلى مع طرف وحيد، ويلتزم صندوق النقد بمتوسط استحقاق مرجح (WAM) لا يتجاوز 60 يومًا أو 180 يومًا في بعض التشريعات، ويعني هذا أن الصندوق لا بد عليه أن يكون قابل لتسييل كافة أصوله في المدة المحددة المذكورة للالتزام بمعدل المخاطر المنخفض الخاص به. كثير من اللوائح والقيود تجعل هذه الصناديق مُقيدة بسلاسل تُجبرها على الثبات الطويل وعدم التأرجح وجوهرها الأكبر ” الخمول “.
جاءت العديد من الدراسات المالية تُطالب بإصلاحات لصناديق النقد بعد أزمتها وضمان الحكومة لها عام 2007-2008م، حيث تُطالب الدراسات بالحد من الحوافز المسبقة التي تدفع إلى الإفراط في المخاطرة وتعزيز القدرة اللاحقة على استيعاب الخسائر دون إثارة عمليات سحب على نطاق النظام بأكمله، وذلك بفرض متطلبات رأسمالية يحتفظ بها الصندوق كنقد أو أن يكون سعر الوحدة الخاص بالصندوق عائم – يعتمد على العرض والطلب، ولكن شددت بأن يبقى الجهد الأكبر على مدراء صناديق النقد على الحفاظ بتنوع جيد من خلاله يمكن الحصول على سيولة في وقت قصير لتغطية متطلبات الاسترداد.
صناديق أسواق النقد ترافق دائمًا رفيقة العمر، السندات، في التحركات الاقتصادية والعوائد والمخاطر – في بعض الأحيان – وتشاركها أيضًا الخمول الطويل والركود، ولكنها تبقى أوراق مالية لابد من وجودها في محافظ الاستثمار للعمل على توازنها وتنويعها والاستفادة من التحركات العكسية بين أسواق الأسهم والأوراق المالية الأخرى وأسعار الفوائد ومعدلات التضخم، وعلى أهميتها الكبيـــــــــرة في الاقتصاد الجديد، الا أنها تبقى على خطوات بعيدة من أفئدة المستثمرين والأسواق.
اقتباس اقتصادي: ” المخاطر تأتي من عدم معرفة ما تفعله.” – وارن بافيت
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال