الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
النظرية التي وُلدت بين ثنايا العاصمة الألمانيـــــة برلين في نهايات القرن الثامن عشر، لتستمر في الخفاء لعقود طويلـة تحت ظلال الألمان، كان كل ما كُتـــــــب عنها من صياغة ومعادلة بلغتهم التي لم تكن بتلك الشهــرة حينها لدواعي التعاون والترابط بين مؤسسات سكك الحديد الألمانية آنذاك. كانت أوروبا المجاورة وفي عصرها الذهبي تُصيـــــغ نظريات مشابهة دون معرفة بأن برلين تعمل بها منذ سنوات عديدة. هذا العمر المديد لم يساعد على صياغة نظرية واضحة يمكن الاعتماد عليها في علم الاقتصاد الحديث، كان لابد من دخول الولايات المتحدة على خط الصياغة، جاء هذا من خلال رجل نوبل عام 1982م جورج ستيجلر، الذي جاء بصياغة النظرية بشكلها الحديث بمساعدة آخرين في منتصف القرن العشــــــــــرين، لتكون بذلك نظرية متكاملة تقريبًــا. الحديث في السطور القادمة عن نظرية ” التكتل الاقتصادي – Economic Cartel “، النظرية القديمــة التي حضرت بين ليالِ أوروبا السيئة والعظيمة طالها النقـــد من الاقتصاديين حيث تم وصفها بــــــ ” العدو الأول للمنافسة” ، وبالتالي العدو للنمو الاقتصادي والأسواق في نهاية المطاف.
نظرية التكتل – ويمكن النظر الى أنها عملية من قبل أن تُصاغ على شكل نظرية – تُشـــير الى تحالف من شركتان أو أكثر للتحكم في العرض والطلب لسلعة ما، وبالتالي التحكم في التسعـــــــير. تعمل التكتلات الاقتصادية على زيادة أرباح الشركات المتحالفـــــة على حد سوى دون النظر للتأثيــر السلبي الذي قد تحققه على شكل توازن منحنيات العرض والطلب. كانت التكتلات الاقتصادية الضخمة تنشأ عام بعد عام في أوربا في القرون الوسطى – القرن الثامن والتاسع عشر – وانتقلت العدوى الى الولايات المتحدة في نفس المدة، تحلل جزء منها بسبب تغير شكل الاقتصاد الدولي والقوانين والتنظيمات، ولكن لا زال منها العديد التي تؤثر وبشكل قوي على حرية الأسواق الاقتصادية. تتشكل هذه التحالفات بسبب رغبة أطراف التحالف بتعظيم أرباحهم في القطاع عن طريق التنسيق مع الشركات الأخرى المنافســـــة، وكما هو الاقتصاد على الدوام، تفشل الكثير من هذه التحالفات الاقتصادية حتى من دون تدخل حكومي لحلها، بسبب مخاوف الأعضاء في حال تم الإقرار على تخفيض السعر أو زيادة الإنتاج لكل أعضاء التحالف.
التكتل الاقتصادي كان وعلى مدى سنوات طويلة يمكن أن يُقاس النجاح له من عدمه للتحالف هذا من خلال طول عمر التحالف بين الشركات الأعضاء ( أو المنظمات والدول )، والأمر الأخــــر هو مدى قدرة التكتل على زيادة أرباح الأعضاء ويتجاوز بها الى مستويات أعلى مما هو عليه من قبل الدخول في هذا التحالف، ولكن هذا النجاح ليس ” غداء بالمجان ” حيث أنه لابد من مراقبة عدم التلاعب والغش من قبل الأعضاء بالإضافة الى عدم دخول منافس للقطاع الشركات المتحالفة، هذان الشرطان لنجاح التحالف ليس من السهل التحكم بهما ومتابعتهما، وبالتالي تُعتبر التحالفات غير مستقرة من وجهة النظر التقليدية على الدوام. جاءت الدراسات بالعديد من العوامل التي تعزز نجاح التحالف الاقتصادي بين الأعضاء منها تكاليف التحالف التنظيمية المنخفضة، تجانس الشركات المتحالفة، سيطرة التكتل على الحصة السوقية للقطاع، انخفاض القوة التفاوضية للمشترين – ليس للمشتري خيار أخر سوى التعامل مع شركات التحالف، وأخر عوامل النجاح أن لدى التحالف القدرة على رفع الأسعار الى مستويات عالية.
على المدى الطويل وبسبب نظرية اللعبــــة وتوازن ناش، تنحل التكتلات الاقتصادية ولا تصمد، حيث أن الترقب لتحركات التسعير لدى الأعضاء ومحاولة الفوز بالحصة الأكبــر للأرباح دائمًـــا ما يعملان على تحطيم إمبراطوريات الاحتكار بمرور الزمن. تقول دراسات اقتصادية على أن بعض التكتلات الاقتصادية تحاول النجاة من قوى السوق حتى لا تفشل بالتواطؤ فيما بينها من خلال البيع والشراء بين بعضهم البعض لإعادة توازن العرض والطلب، وجاءت التشريعات لكشف عمليات التواطؤ هذه من خلال فرض عقوبات مخففة على أول عضو من الأعضاء الذي يدلي بمعلومات تؤدي الى كشف عمليات التلاعب التي يقوم بها التكتل. كما تقول هذه الدراسات بأن التكتلات تعمل على الدوام في رفع الأسعار على المستهلك بمتوسط أعلى مما هو لو كان بقي القطاع كما هو دون تحالف مشترك. ولكن هذا لم يمنع بأن تكون بعض التكتلات الاقتصادية عملت بشكل جيد وفعال على مدى سنوات عمر وليدة برلين الثلاثة قرون تقريبًا، والمثال الأبرز على هذا النجاح هي منظمة أوبك التي تعمل بشكل فعال على استقرار أسعار النفط العالمية.
تُشير الدراسات الاقتصادية أن التكتلات الاقتصادية لا تزال تحت المجهـــــر لسنوات، حيث يسعى الاقتصاديين الى معرفة كيف لبعض التكتلات بأن تنجح نجاح طويل ومستمر وكيف للبعض الاخر أن يؤول الى الفناء السريع. دراسة العوامل الخارجية والداخلية لنجاح وفشل التكتل الاقتصادي في الماضي لم تُــــعد كافية لشرح هذا، هناك الكثير من الأشياء يجب القيام بها لفهم كيف لهذا المصطلح القديم أن ينجح ويكون خالدًا ويحقق الرخاء والمساواة للاقتصاد الحديث والعالم وكيف له من جانب أخـــــــــــر أن يهدم كل بناء اقتصادي مُــــحكم، ولكن يبقى الاقتصاد على يقين بأنه سيفسر هذا بشكل جيد في المستقبل، فقط الزمن هو العامل الأهم الان.
اقتباس اقتصادي: ” التاريخ الاقتصادي لا يكرر نفسه أبدًا بدقة. ” – فيليب كاريت
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال