الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
التشريع هو عملية منهجية ذات غايات تنظيمية قريبة تهدف إلى فرض النظام العام وتحقيق الاستقرار والأمان، وغايات اجتماعية واقتصادية متوسطة وبعيدة؛ مثل تحقيق التنمية، والازدهار، والتنافسية.
وإذا أردنا تحديد الفرق بين دراسة التشريع ودراسة أثره، فهو تماما مثل الفرق بين مفهوم الفعل ورد الفعل في الفيزياء؛ فالتشريع هو عبارة عن فعل السلطة التشريعية، أما رد الفعل فهي كيفية تفاعل الجهات المخاطبة بالتشريع من حيث الانصياع أو الرفض للتشريع أو القبول به، والمبادرة لتطبيقه، وتطويره وفق ظروف الدولة والجهات المخاطبة به تحقيقا للمصلحة العامة والخاصة. فإذا كان التشريع يعبر عن مبادرة تنظيمية ذات أهداف نظرية دقيقة، فإن أثر التشريع هو المظهر الواقعي لمفعول التشريع على أرض الواقع.
ماهية الأثر المتوقع السابق للتشريع..
جودة الأداء التشريعي تكمن في تحديد الأثر الاستباقي لمشاريع القوانين. لا يكفي لتنفيذ عملية التشريع أن تتم دراسة مشروع القانون من زوايا الغاية التشريعية والمحيط المستهدف بالتشريع؛ فهذه أمور نظرية مفروغ منها ولا تضمن جودة التشريع أو تحقيق الغاية منه، وحتى أن بعض المشرعين يقومون بها من باب أداء الواجب ليس إلا. يُعد قياس أثر التشريعات السابق للمشاريع التشريعية المقترحة أداة أساسية لضمان فاعلية وكفاءة القوانين قبل إقرارها. ويهدف هذا التقييم إلى استشراف الآثار المتوقعة للمشاريع الجديدة وذلك بهدف تقديم تصور دقيق لصانعي القرار، مما يمكّنهم من اتخاذ قرارات تستند إلى بيانات موثوقة.
ففي الحقيقة، يمكننا القول بأن دراسة “أثر التشريع السابق” تشبه إلى حد ما دراسة الجدوى الاقتصادية؛ فهذه الدراسة تتناول مشروعا اقتصاديا محددا بغرض تحديد أثر تشغيله على رأس المال، وكيف سيتم استهلاك الموارد وتشغيل السيولة، وتوقيت البدء بحصد الأرباح والتوسع في بناء السمعة والعلامة الجارية وغيرها من العوامل الأساسية لنجاح أي مشروع. وفي المقابل، فإن دراسة “الجدوى التشريعية” تعني تحديد الأثر المتوقع لإصدار القانون على المجتمع ليس بطريقة البيانات والإحصاءات والتوقعات النظرية المحضة، بل بأسلوب تطبيقي يعتمد على أدوات جمع بيانات و تحليليها بهدف الوصول إلى الخيار الأفضل الذي يحقق المصلحة العامة.
ماهية الأثر المتوقع اللاحق للتشريع..
إذا كانت دراسة التشريع السابقة على إصداره هي من الخطوات البديهية المتعارف عليها في العمل التشريعي، فإن دراسة أثر التشريع اللاحق يعتبر منهجا نادرا في الدراسات التشريعية يقوم على منهج التقييم بعد التجربة.
فمن الطبيعي أن يرى المنظم في القانون الذي يضعه حلا لمشكلة واقعية وتنظيما لوسط من الأوساط الاجتماعية أو الفعاليات المالية والاقتصادية، ومن المتعارف عليه أن يقوم الباحث بدراسة إشكالية تتعارض فيها حالة واقعية مع انعدام الجدوى لقاعدة قانونية أو انعدام الواقعية أو حتى ظهور حالة سلبية من تطبيق تلك القاعدة بما يتنافى مع الغاية التشريعية التي صدر القانون بالأساس لخدمتها، وذلك في نقطة دقيقة “إشكالية”، وليس في كامل القانون. أما الحديث عن دراسة تقييم شاملة لكامل التشريع، ليس بغرض نقده على المنهج النظري، بل بغرض تقييم تنفيذه على المنهج التطبيقي؛ هذا التقييم اللاحق لتطبيق التشريع هو عملة نادرة في الفقه القانوني السعودي.
القرارات الوزارية في المملكة والتي تعاملت مع فكرة تقييم التشريعات؛ مثل الضوابط المحدثة لإعداد ودراسة مشروعات الأنظمة واللوائح وما في حكمها بقرار مجلس الوزراء رقم (713) 1438، والمعدل بقرار مجلس الوزراء رقم (476) لعام 1441، وقرار مجلس الوزراء رقم (200) لعام 1443. تلك القرارات كانت تركز على تقييم الأثر السابق لتطبيق التشريع في مبناها ومعناها، وبقيت ساحة التقييم اللاحق للقانون محل فراغ تنظيمي واضح.
منهجيات تقييم أثر التشريعات
تبدأ عملية تقييم الأثر التشريعي من خلال تحديد المشكلة التي يسعى التشريع لحلها، حيث يتم تحليل السياق القانوني والاجتماعي والاقتصادي المرتبط بها لضمان فهم دقيق لجذورها. بعد ذلك، يتم استعراض الخيارات التنظيمية المتاحة، سواء من خلال إصدار تشريعات جديدة أو تعديل القوانين القائمة أو البحث عن حلول بديلة غير تنظيمية. وعند تحديد البدائل الممكنة، يجري تحليل التأثيرات المحتملة لكل خيار، وذلك وفق منهجيات علمية لتقييم الفوائد والتكاليف المرتبطة به من خلال العديد من الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، لضمان تحقيق أكبر قدر من الفائدة مع تقليل التكاليف غير الضرورية. وفي هذه المرحلة، يُعتبر التشاور مع أصحاب المصلحة عنصرًا أساسيًا، حيث يتم جمع آراء الجهات المعنية مثل الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، مما يعزز من شمولية ودقة التقييم. وأخيرًا، يتم إجراء تقييم شامل للتكاليف والفوائد الخاصة بالمقترحات التنظيمية، لضمان اختيار البديل الأكثر تحقيقًا للمصلحة العامة بعد تنفيذ التشريع. وتبدأ بعد ذلك مرحلة التقييم اللاحق، التي تهدف إلى قياس مدى فعالية التشريع في تحقيق أهدافه، وتحديد الحاجة إلى أي تعديلات مستقبلية لضمان تحسين الأداء التشريعي المستمر.
عناصر نجاح دراسات تقييم الأثر التشريعي
لضمان نجاح عملية تقييم آثار التشريعات لتحقيق الأهداف المرجوة منها، لا بد من توافر ثلاث عناصر أساسية لتعزيز فاعلية عملية تقييم آثار التشريعات وضمان تأثيرها الإيجابي على صنع القرار التشريعي.
أولاً: ضرورة وجود إطار قانوني وتنظيمي داخل الجهات واضح لعملية تقييم آثار التشريعات لتحديد نطاق التقييم، والمعايير التي يجب اتباعها، والجهات المسؤولة عن التنفيذ. يساهم هذا الإطار في تعزيز الشفافية والمساءلة وضمان تكامل عملية التقييم.
ثانياً: تطوير أدوات خاصة لجمع البيانات مثل الاستبيانات، والمقابلات مع أصحاب المصلحة، وتحليل البيانات التاريخية، والاستفادة من قواعد البيانات الحكومية والخاصة، لتوفير قاعدة بيانات ومعلومات شاملة تدعم عملية التقييم.
ثالثاً: تصميم نماذج تحليلية متكاملة تعتمد على منهجيات علمية دقيقة لتحليل البيانات وذلك لتقديم تقييمات دقيقة تدعم صناع القرار، وتعزز جودة المقترحات التشريعية وكفاءتها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال