الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في خطوة حملت طابعًا تصعيديًا غير مسبوق منذ عقود، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة فرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات عشرات الدول من المعادن والبضائع الصناعية، وعلى رأسها الصين، الاتحاد الأوروبي، كندا، والمكسيك، في إطار سياسة “أمريكا أولاً” الهادفة إلى إعادة هيكلة النظام التجاري العالمي لصالح المنتج المحلي الأميركي. القرار أثار جدلًا عالميًا واسعًا، وأعاد إلى الواجهة مصطلح “الحرب التجارية” بكل ما يحمله من تداعيات على حركة التجارة والاستثمار والنمو العالمي. والمثير أن هذه الخطوة لم تستثنِ الحلفاء التقليديين، بل شملتهم في قائمة الرسوم، وهو ما يعد إشارة واضحة إلى رغبة الإدارة الأميركية في تغيير قواعد اللعبة التجارية بالكامل.
جاءت هذه السياسات كرد فعل متأخر على ما تعتبره الإدارة الأميركية خللًا عميقًا في ميزان التجارة العالمية، حيث اتُّهمت الصين والعديد من الدول الآسيوية والناشئة بممارسات إغراق ودعم صناعي غير عادل، بينما كانت الأسواق الأميركية منفتحة إلى حد بعيد دون حماية كافية للصناعات المحلية. إلا أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن هذه السياسات تعكس تحولًا في العقيدة الاقتصادية الأميركية، من الزعامة الليبرالية الاقتصادية إلى نهج أكثر قومية، يتعامل مع الاقتصاد العالمي كحلبة صراع يجب حسمها لصالح الداخل، ولو كان الثمن إعادة صياغة معايير العولمة ذاتها.
وتُظهر الجداول الرسمية التي نشرتها الحكومة الأميركية تفاوتًا صارخًا بين الرسوم الجمركية التي تفرضها الدول على السلع الأميركية، وتلك التي تفرضها الولايات المتحدة بالمقابل، إذ تتحمل المنتجات الأميركية رسومًا تصل إلى 67% في الصين، و64% في تايوان، و52% في الهند، بينما تكتفي واشنطن بفرض 34% و32% و26% على التوالي. وتشمل القائمة كذلك دولًا من الشرق الأوسط مثل تركيا وسوريا وتونس والعراق بنسب مرتفعة مقارنةً بما تفرضه الولايات المتحدة على وارداتها من تلك الدول. وهو ما تم تبريره على أنه إعادة رسم السياسة الجمركية الأميركية بما يتوافق مع مبدأ “المعاملة بالمثل”.
غير أن هذه الخطوة فجّرت ردود فعل قوية، حيث أعلنت الصين وكوريا الجنوبية واليابان ردًا مشتركًا على الرسوم، فيما وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني القرار بأنه ضربة لمنظومة التجارة الدولية، متوعدًا بإجراءات انتقامية، وأكد الاتحاد الأوروبي أنه سيحدد رده بعد تقييم الأثر الاقتصادي، بينما صرّحت رئيسة الاتحاد السويسري كارين كيلر-سوتر أن بلادها ستتحرك بسرعة لحماية مصالحها التجارية.
وقد بدأت تداعيات هذا التحول تظهر على الأرض، إذ باتت سلاسل الإمداد العالمية تواجه تحديات غير مسبوقة، وارتفعت تكاليف التصنيع بشكل لافت، وسجّلت أسعار السلع – من السيارات إلى الأجهزة الإلكترونية – زيادات متتالية أثّرت على القوة الشرائية للمستهلك وأعادت التوتر إلى الأسواق. ووفقًا لتقديرات منظمة التجارة العالمية، فإن هذه السياسات قد تؤدي إلى انخفاض حركة التجارة العالمية بنسبة 2% خلال 2025، وهو رقم يحمل دلالة خطيرة على النمو العالمي، خاصة في ظل هشاشة سلاسل الإمداد بعد أزمة جائحة كوفيد 19.
ولم تقتصر تداعيات الحروب الجمركية على الأسعار أو توتر العلاقات التجارية، بل امتد تأثيرها ليشمل مؤشرات النمو، والاستثمار، وسوق العمل، وسوق الديون. فقد سجل صندوق النقد الدولي خفضًا لتوقعات النمو العالمي، وتسببت الرسوم في رفع تكلفة المواد الخام والسلع الوسيطة، ما انعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي، ودفعت شركات كبرى إلى إعادة هيكلة عملياتها تحت ضغط مالي وزمني هائل، ما تسبب في انخفاض الكفاءة التشغيلية، وتعطيل خطوط الإنتاج، وارتفاع معدلات الهدر. كما تأثرت سوق العمل بخسائر واسعة في الوظائف المرتبطة بالتجارة، وتراجعت العملات المرتبطة بالاقتصادات التصديرية، فيما ارتفعت عوائد السندات الحكومية الأميركية نتيجة توقعات التضخم، وتفاقمت الضغوط على الدول النامية في خدمة ديونها، لاسيما تلك التي تعتمد على استيراد الغذاء والطاقة أو المرتبطة بالدولار في تمويل ميزانياتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن هذه الحروب التجارية تلقي بظلالها على أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد العالمي، وهو قطاع الطاقة. إذ إن تراجع النشاط الصناعي، وانخفاض حركة الشحن العالمية، وتباطؤ الاستثمارات الرأسمالية في القطاعات الكبرى، جميعها تؤدي إلى انخفاض واضح في الطلب على الطاقة، خصوصًا على النفط الخام والغاز الطبيعي. وقد شهد العالم بالفعل خلال الحروب التجارية السابقة انخفاضًا في نمو الطلب العالمي على النفط إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد، بحسب وكالة الطاقة الدولية. هذه التأثيرات تصل بشكل مباشر إلى الدول المصدرة للنفط، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، حيث يمثل تراجع الطلب ضغطًا على الإيرادات وعلى خطط التوسع في مشاريع الطاقة والبتروكيميائيات. لكن اللافت أن السعودية تعاملت مع هذا التحدي الاستراتيجي من خلال سياسات مرنة ومدروسة، كان أبرزها التحرك المبكر نحو تنويع مصادر الطلب، والتوسع في العقود طويلة الأجل مع دول آسيا، والقيادة الفاعلة في تحالف “أوبك+” لضبط التوازن بين العرض والطلب، وتفادي تخمة الأسواق أو انهيار الأسعار.
وتُظهر البيانات أن الاقتصاد الأميركي نفسه لم يكن في مأمن من تداعيات سياساته، حيث بدأت آثار التضخم تظهر في السوق الداخلية، وواجهت الشركات التي تعتمد على المواد الخام المستوردة صعوبات في تمرير الكلفة الإضافية للمستهلك دون خسارة تنافسيتها. وبالمقابل، باتت الدول الأوروبية والآسيوية تبحث عن تحالفات بديلة وتكاملات اقتصادية جديدة تحمي مصالحها بعيدًا عن المركز الأميركي.
في ظل هذه العواصف، أعاد المستثمرون ترتيب أولوياتهم، فارتفعت أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، مدفوعة بتدفقات تجاوزت 19 مليار دولار في الربع الأول فقط، وارتفعت السيولة في المحافظ الاستثمارية، ما يعكس حالة الحذر المتزايد في الأسواق. كما بدأت بعض الصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية العالمية في تقليص انكشافها على الأسواق المضطربة، والبحث عن مناطق استقرار طويلة المدى.
ورغم أن القرارات الأميركية لم تستهدف المملكة العربية السعودية بشكل مباشر، فإن المملكة تأثرت بشكل غير مباشر من نتائج هذه الحرب، إذ أدى تباطؤ النمو العالمي إلى انخفاض مؤقت في الطلب على الطاقة، كما ارتفعت تكاليف بعض السلع المستوردة بسبب اضطراب سلاسل التوريد، إلا أن السعودية تعاملت مع هذه التأثيرات بمرونة عالية، وواصلت تنفيذ رؤيتها الاقتصادية الطموحة، ونجحت في تقديم نفسها كبيئة اقتصادية آمنة ومستقرة، تتمتع بتشريعات مرنة، وبنية تحتية متطورة، ونظام اقتصادي متنوع، يعزز من جاذبيتها كوجهة للاستثمار في زمن يسوده عدم اليقين.
ولا يقتصر الأمر على حماية رأس المال، بل إن السعودية أثبتت أنها بيئة قادرة على توليد القيمة، من خلال مشاريع التحول الوطني، وتطوير مناطق اقتصادية خاصة، وفتح أسواق جديدة في مجالات مثل التقنية والسياحة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات أقل تأثرًا بالحروب التجارية، وأكثر جذبًا لرأس المال الذكي طويل الأمد. وهذا ما جعل المملكة تُصنف اليوم ضمن أبرز الدول التي يُنظر إليها كمحور استثماري جديد في خريطة الاقتصاد العالمي، وكمركز توازن في منطقة تشهد تحولات هيكلية.
وفي هذا السياق العالمي المتقلب، يصبح من الضروري تقديم حلول قابلة للتنفيذ، أبرزها إعادة إحياء دور منظمة التجارة العالمية كمنصة تفاوض، وتحديث أدوات تسوية النزاعات، وضمان التوازن في الاتفاقيات التجارية، وتشجيع الأسواق الناشئة على تطوير بنيتها التحتية وتعزيز تنافسيتها، وتحفيز المستثمرين على تنويع أدواتهم واستكشاف بيئات استثمارية مستقرة مثل المملكة العربية السعودية التي لم تعد فقط وجهة آمنة، بل باتت منصة عالمية للنمو والفرص طويلة الأمد.
ومع استمرار التصعيد التجاري، يصبح من الواضح أن الحروب الجمركية لم تعد مجرد خلافات حول الرسوم، بل أصبحت عنوانًا لتحول جوهري في خريطة الاقتصاد العالمي، ومقياسًا لقدرة الدول على التكيف، والبقاء، والريادة، وبينما تتخبط بعض القوى الاقتصادية في ارتجال السياسات والتصعيد، تمضي المملكة بثقة في مشروعها الاستراتيجي طويل الأمد، وتقدم للعالم نموذجًا اقتصاديًا متزنًا، مرنًا، وقابلًا للنمو في أوقات الاضطراب.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال