الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في خطوة أشبه بزلزال اقتصادي، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رؤية جريئة لإعادة صياغة قواعد التجارة العالمية، معلنًا فرض تعريفات جمركية متبادلة بنسبة نصف ما تفرضه الدول على الولايات المتحدة، حيث تتراوح هذه النسب بين 10% على أمثال السعودية والإمارات، وصولاً إلى 46% على فيتنام، في رسم بياني يشبه خريطة معركة تجارية تتجاوز الحدود.
هذه السياسة، التي تحمل في طياتها وعودًا بالقوة الأمريكية ومخاطر الاضطراب العالمي، تضع دول الخليج على مفترق طرق، وتدفع العالم أجمع إلى حافة تحولات قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد لعقود قادمة. بينما تترقب الأسواق والحكومات تداعيات هذا القرار، مما يدفعنا للسؤال، هل نحن أمام فجر عصر اقتصادي جديد، أم أمام بوابة فوضى تجارية عالمية؟
بالنسبة لدول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، فإن التأثير المباشر قد لا يكون كارثيًا بسبب انخفاض نسبة التعريفة مقارنة بدول أخرى، حيث تعتمد صادراتهما إلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي على النفط ومشتقاته، وهي سلع تحتفظ بطلب مرن نسبيًا بفضل الحاجة الأمريكية المستمرة للطاقة والعلاقات الاستراتيجية القوية، فالسعودية مثلاً تصدر حوالي 70-80% من صادراتها إلى أمريكا على شكل نفط، والتعريفة المنخفضة قد تؤثر على أقل من 10% من هذه التجارة.
لكن المخاطر غير المباشرة تظل قائمة، إذ إن تباطؤ الاقتصاد الأمريكي أو العالمي نتيجة هذه السياسة قد ينعكس على الطلب على النفط، مما يضرب إيرادات دول الخليج التي تعتمد على عائدات الطاقة بنسبة 60-90% من ميزانياتها، بينما الإمارات، بفضل تنوعها الاقتصادي وتركيزها على التجارة مع آسيا، قد تتضرر بنسبة أقل تتراوح بين 3-7%، خاصة في صادرات الألمنيوم والبتروكيماويات، وفي حال طُبقت تعريفات مماثلة على قطر، فإن صادرات الغاز المسال قد تواجه ضغوطًا طفيفة، لكن أسواقها البديلة في أوروبا وآسيا ستخفف الضرر، ومع ذلك تمتلك دول الخليج أدوات للتكيف مثل تعزيز التجارة مع الصين والهند ضمن رؤى مثل “رؤية 2030” السعودية أو التفاوض مع واشنطن لتخفيف التعريفات مستفيدة من العلاقات السياسية، لكن انخفاض أسعار النفط العالمية سيظل التهديد الأكبر.
فيما يتجاوز تأثير هذه السياسة حدود الخليج، فإن الدول الأخرى ذات التعريفات العالية والاعتماد الكبير على السوق الأمريكية ستواجه تحديات أكثر حدة، فالصين مثلاً، التي تواجه تعريفة 34% وتصدر حوالي 500 مليار دولار سنويًا إلى الولايات المتحدة، ستشهد تراجعًا كبيرًا في صادراتها مثل الإلكترونيات والسلع الاستهلاكية، مما قد يدفعها للرد بتعريفات مضادة على المنتجات الأمريكية كفول الصويا، مشعلة حربًا تجارية، بينما فيتنام، بتعريفة 46%، ستتلقى ضربة قاسية لاقتصادها الناشئ الذي يعتمد على المنسوجات والإلكترونيات، مما قد يؤدي إلى ركود محلي وربما إعادة توجيه التجارة نحو آسيا.
أما الاتحاد الأوروبي بتعريفة 20% فسيواجه تأثيرًا على السيارات والآلات والمنتجات الصناعية، مما يدفعه للرد بتعريفات على المنتجات الأمريكية مثل الويسكي والطائرات، مع مخاطر على الوظائف في ألمانيا وفرنسا، واليابان بتعريفة 24% ستخسر حصة صناعة السيارات في السوق الأمريكية، مما قد يضطرها للبحث عن أسواق بديلة أو التفاوض، بينما الدول النامية مثل الأردن بتعريفة 20% ستعاني من تراجع الصادرات، مما يفاقم ضغوطها المالية، وقد تلجأ هذه الدول إلى تحالفات اقتصادية جديدة مثل تعزيز التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي لتعويض الخسائر، لكن التكيف سيكون مكلفًا على المدى القصير، مما يثير تساؤلاً أعمق:
هل هذه التحركات تُمهد لاقتصاد عالمي جديد؟ من الممكن أن تكون هذه السياسة بداية لنظام يتمحور حول الحمائية والاستقلال الاقتصادي، فإذا نجحت أمريكا في تعزيز صناعاتها وتقليص عجزها التجاري، فقد تدفع دولًا أخرى لاتباع نهج مماثل، مفككة النظام التجاري متعدد الأطراف الذي قادته منظمة التجارة العالمية، لينتج عالم مقسم إلى كتل إقليمية تعزز الصين وأوروبا تحالفاتها بعيدًا عن أمريكا، بينما تتجه دول الخليج نحو آسيا.
وعلى نطاق أوسع، فإن هذه السياسة تحمل انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمي، حيث سيتسبب انخفاض التجارة بين الولايات المتحدة والدول المستهدفة في تعطيل سلاسل التوريد، مما قد يدفع الشركات لنقل مصانعها إلى دول غير متأثرة، رافعًا التكاليف ومبطئًا النمو الاقتصادي، كما أن ارتفاع أسعار السلع المستوردة في أمريكا سيمتد إلى أسواق أخرى إذا ردت الدول بتعريفات مضادة، مما يزيد الضغط التضخمي على المستهلكين عالميًا، وفي حال تصاعدت الحرب التجارية، فقد يدخل الاقتصاد العالمي في ركود، خاصة إذا انخفض الطلب على النفط والسلع الأساسية، وهو ما سيضرب دول الخليج وغيرها من الدول المصدرة، فضلاً عن أن الدول قد تبتعد عن الاعتماد على الولايات المتحدة، مما يعزز كتل مثل “بريكس” أو يدفع أوروبا لاستقلال اقتصادي أكبر.
لكن هناك مخاطر تحول هذه السياسة إلى فوضى بدلاً من نظام جديد، إذ قد تشعل ردود الفعل الانتقامية تضخمًا عالميًا وتُعطل الاقتصاد دون أن تؤسس لنموذج مستدام، فالاقتصاد العالمي الحالي مترابط عبر التكنولوجيا والطاقة، والتعريفات قد تغير مسارات التجارة دون القضاء على العولمة، اذ قد تلجأ الشركات متعددة الجنسيات إلى الالتفاف عبر دول ثالثة، وبالنسبة للولايات المتحدة، فقد تحقق إيرادات إضافية وتحمي صناعاتها، لكنها تواجه مخاطر التضخم الداخلي وفقدان حصتها في الأسواق العالمية إذا ردت الدول بالمثل، مما يجعل نجاح هذه السياسة مرهونًا بقدرتها على استيعاب ردود الفعل، بينما يتطلب من دول الخليج والعالم استراتيجيات تكيف مرنة لتجنب الخسائر الكبيرة، لتظل هذه الخطوة في النهاية مقامرة اقتصادية قد تحدد ملامح العقود القادمة.
وإذا استمر الوضع على هذا الحال طويلًا، فقد يكسب العالم تنوعًا في سلاسل التوريد واستقلالية اقتصادية لبعض الدول التي ستضطر للابتعاد عن الاعتماد الأمريكي، مما يعزز نمو أسواق ناشئة وتحالفات جديدة، لكنه سيخسر استقرار التجارة العالمية، مع تراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع التضخم المزمن، وربما انهيار النظام التجاري متعدد الأطراف، تاركًا وراءه عالمًا مجزأً يصعب التنبؤ بمستقبله، وربما مرحلة انتقالية تُعدل قواعد اللعبة دون أن تؤسس بعد لاقتصاد عالمي جديد كامل الأوصاف، بانتظار ما ستسفر عنه استجابة العالم.. بناء أم تدمير.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال