الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
جاء قرار سمو ولي العهد بفتح التصرف في أكثر من 81 مليون متر مربع من الأراضي شمال الرياض ليشكل نقلة نوعية في إدارة ملف الإسكان والعقار، لا بوصفه استجابة لحاجة آنية، بل كجزء من إصلاح هيكلي أعمق، يعيد توظيف الأرض بوصفها أصلا اقتصاديا منتجا، لا مجرد وعاء استثماري خامد أو معوّق للتنمية المستدامة.
ضمنيا، القرار يُنهي مرحلة اتسمت بتركز الملكية وتعطيل الدور الإنتاجي للأرض، ويضع أسس توازن أكثر كفاءة بين العرض والطلب في مدينة تتسارع فيها التحولات الديموغرافية والاقتصادية بشكل قد لا تستطيع الأدوات التقليدية استيعابه، فسكان الرياض تجاوزوا 8.6 مليون في عام 2024 حسب الأرقام الرسمية، وهذا ليس رقما جامدا، بل إشارة إنذار تفرض على المخططين إعادة النظر في أدوات التدخل، فالسكن – بوصفه أحد أعمدة الإنفاق الأسري ويشكل نحو 25% من وزن مؤشر الأسعار – لم يعد شأنا فرديا بل قضية اقتصادية كلية، وأي خلل في هذا القطاع سوف يُحدث تموجات في مجمل النظام المالي والاستهلاكي.
من هنا، كان قرار تحرير الأراضي فرصة استراتيجية مزدوجة، فمن جهة، سوف يُمكّن المواطنين من الوصول إلى خيارات سكنية بتكاليف تناسبهم وباستدامة أعلى، ومن جهة أخرى، سوف يفرض القرار على المطورين العقاريين ترك النموذج السائد، الذي طالما اتسم بالركون إلى التسعير الريعي والانتظار المربح، نحو نموذج تطويري موجّه وظيفيا واجتماعيا، ولعل في التسعير التقديري المعلن ما يشي بإعادة هيكلة التوازن التمويلي، إذ يُرجّح أن تعيد البنوك توجيه أدواتها نحو الأفراد أكثر من الوحدات الجاهزة، والتي غالبا ما تكون محملة بمخاطر تسعيرية وغموض وظيفي.
في قراءة تاريخية من خلال النظر إلى تجارب أخرى – رغم اختلاف السياقات – نجد أن في منتصف التسعينات، شهدت تايوان تحريرا مشابها للأراضي المقيدة، أتبعه تنظيم دقيق للطلب، مما أدى إلى تصحيح سعري دون إضرار بالنمو، بل على العكس، كان الناتج المحلي في صعود تجاوز 6% سنويا، بفضل إعادة تخصيص الموارد وفقا لاعتبارات الاستخدام لا الاكتناز.
أيضا – وهذا ليس افتراضا نظريا – يمكن قراءة القرار من خلال ما تطرحه نظرية “الإيكولوجيا التنظيمية”، التي ترى أن تغيرات البيئة المؤسسية الكبرى تُعيد رسم خريطة الفاعلين الاقتصاديين، فتحرير الأراضي هنا لا يوزع موردا فقط، بل يعيد تعريف من يحق له دخول السوق وفق معايير تشغيلية جديدة، لذلك ما حصل، ليس فقط إجراءً عقاريا، بل تحولا عضويا في طبيعة السوق نفسه، وتكوينا جديدا للبيئة التطويرية، حيث تبدأ أنماط من المطورين والممولين وشركات البناء في الظهور، وتبدأ أخرى في الذبول التدريجي.
كما أن توجه القرار يذكّر بما طرحه المفكر الاقتصادي “هنري جورج”، في أن تفعيل وظيفة الأرض وتقييد احتكارها مدخل لتحقيق العدالة الاقتصادية، ولكن ما يجري بالمملكة ليس تكرارا لفكرة كلاسيكية، بل تنفيذ ميداني على نطاق هيكلي، ليتعداها بربط الأرض بالتنمية ضمن رؤية لا تقبل المزايدات.
قرار سمو ولي العهد لا يُصلح خللا مرحليا، بل يعيد تعريف المنظومة العقارية ابتداءً من مدينة الرياض، ليؤسس لما يشبه الدورة العقارية الثالثة في تاريخ السوق السعودي الحديث، التي لن تكون قائمة على أسعار النفط أو اتجاهات الادخار، بل على كفاءة التخصيص واستجابة النظام المؤسسي لحاجات المجتمع، حتى يعود العقار إلى دوره الطبيعي، لا بوصفه مخزن قيمة راكد، بل كذراع إنتاج تحرك النمو وتعيد تشكيل الموازين.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال