الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
رئيس تنفيذي لشركة استثمارية – دبي
ahmad_khatib@
هناك مقولة للزعيم الصيني دينج شياو بينج أطلقها في العام ١٩٧٨ فحواها أن الصين بحاجة الى نصف قرن للانتهاء من عملية التطوير والسيطرة الاقتصادية.
جاء دينغ الى الحكم بعد الفترة الطويلة للصين تحت قيادة الزعيم المؤسس ماو والتي تخللها حملة “القفزة العظيمة إلى الأمام” التي هدفت الى السيطرة على الصين بالفكر الشيوعي المعدل بأسلوب ماو. أدت الحملة الى مآسي ووفيات تجاوزت ال ١٨ مليون شخص وتصل في بعض التقديرات الى اكثر من ٣٠ مليون. أعلن ماو بعد فشل قفزته، ثورة البلوريتاريا الثقافية على البرجوازية، أو بمعنى اخر الثورة على خصومه ومعاديه. استمر التدهور لسنوات حتى اقتربت الصين من نشوب حرب أهلية فيها فأوقفت ثورة ماو لكن الصراع على السلطة استمر حتى ما بعد وفاة ماو.
بعد التخلص من المعارضين وتهميشهم، بدأ دينغ نهاية السبعينات بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي حاول سابقا الدفع بها دون جدوى. وُضعت الخطط الخمسية للنمو وبدأ تبني اقتصاد السوق وتفعيل التجارة الخارجية. في نفس الوقت أرسل دينغ آلاف الصينيين الى دول مجاورة مثل سنغافورة للاطلاع على تجاربها وابتعث الطلاب الى الخارج للدراسة في كل الدول الغربية حيث نبغوا وتفوقوا.
أرسى دينغ أسس الاقتصاد الصيني الذي بدأ منذ الثمانينات يظهر نتائج مبهرة وانفتح على الغرب بدون التخلي عن السياسات الشيوعية نهائيا. ففي تلك الفترة وقع الاتفاقيات مع بريطانيا والبرتغال لاستعادة هونغ كونغ وماكاو وهو ما تم فعليا في التسعينات بعد رحيله. تقاعد دينغ عام ١٩٩٢ ثم توفي عام ١٩٩٧ الا ان الاقتصاد الذي وضع أساساته كان مستمرا في تسجيل النتائج المبهرة.
بلغ حجم الناتج القومي الصيني نهاية العام الماضي اكثر من ١٠ تريليون دولار محتلا المركز الثاني في الترتيب العالمي بعد الولايات المتحدة متقدما على دول كثيرة سبقته في التخطيط والانتاجية والتنفيذ مثل اليابان وألمانيا وبريطانيا وغيرها. استمر الاقتصاد ينمو بنِسَب مرتفعة وأعلى من ١٠٪ سنويا حتى العام ٢٠١١، اي ما بعد أزمة عام ٢٠٠٨. بدأ النمو ينخفض بعدها ووصل الى مستويات ٧٪ المتداولة حاليا فحل الذعر في العالم.
في عز النمو المرتفع في الصين، كنّا نسمع كلاما من هناك أن الوقت سيأتي ليتحول الاقتصاد الصيني الى الاعتماد على الاستهلاك الداخلي كجزء من عملية التحول التي بدأت في ايام دينغ. لم يهتم أحد لأي شيء من هذا القبيل، لأن النمو الصيني بحجمه الكبير كان مفيدا للاقتصاد العالمي الذي كان ينزف وكان النمو الصيني يشكل ثلث النمو العالمي. اعتمدت الصين طوال الوقت سياسات متشددة في اسعار الصرف وبالتوازي مع ذلك زادت اصولها في الخارج وراكمت الاحتياطي النقدي الأجنبي. تعلمت الصين من الأزمة الآسيوية عام ١٩٩٧ التي كادت تدمر النمور الآسيوية، اي كوريا وهونغ كونغ وسنغافورة وتايوان.
تدهورت العملات الآسيوية أيامها ولم تتوفر الاحتياطيات فتدخل صندوق النقد وحتى الولايات المتحدة للسيطرة على الأزمة.
في العام الماضي، سمعنا من مسؤولين صينيين أن الحكومة ستكون جاهزة للتدخل في حال لاحظت تباطؤا في النمو مستقبلا. بدأت المؤشرات تظهر ذلك التباطؤ، وهو بالمقياس الصيني يعني اقتراب النمو من نسبة ٧٪ “فقط”، فتدخلت الحكومة عبر العملة وسعر الصرف، فثار العالم عليها. تبع ذلك أزمة سوق الاسهم في الصين فتدخلت الحكومة ايضا لكبح جماح الانخفاض الذي اثر على كل بورصات العالم، فتوقف العالم كله منتظرا كل يوم ماذا ستفعل الحكومة الصينية.
الاقتصاد العالمي اصبح لا يقبل بالصين بدون نمو مرتفع جدا وذلك لأنه غير قادر على النمو بدون الصين. في نفس الوقت فإن الاسهم العالمية لا تريد ان تنهار الاسهم الصينية لأن ذلك يثير الهلع ويؤثر عليها. كل ذلك بدلا من مناقشة نسب النمو في اوروبا وأمريكا وسياسات التيسير الكمي المتواصلة والجدوى منها.
يبلغ حجم الدين العام الصيني ما نسبته ٢٠٠٪ من الناتج القومي وتلك نسبة مرتفعة جدا، الا ان حجم الأصول الصينية يبلغ ٩٠٠٪ من الناتج القومي. كما وصل الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين الى ٣.٤٥ تريليون دولار وذلك بعد انخفاضه الحاد في اغسطس بعد السحب منه من قبل الحكومة لتوفير السيولة في الاسواق. كل تلك الأرقام تظهر ان هناك اقتصادا هائل الحجم.
من ناحية السوق المالية، فأنا غير متفائل بأن تتمكن الحكومة من إيقاف النزيف في وقت قريب، الا انني في نفس الوقت لا ارى ان ذلك سيشكل مشكلة كبيرة للاقتصاد الصيني. الاسواق المالية في الصين مازالت ناشئة وغير ناضجة، وارتفعت وتضخمت بشكل جنوني خلال فترة قصيرة كدا فكان من غير المستبعد ان تنهار. من ناحية اخرى فإن مدخرات الأسر الصينية تتركز في ودائع البنوك بنسبة تقارب ٧٠٪ تليها العقارات بحوالي ١٧٪ ولا تشكل استثماراتها في الاسهم اكثر من ٣٪. لذلك، فإن تأثير الاسواق المالية مهما كان لن يكون مدمرا للقوة الشرائية.
اعتمدت الصين على عاملين أساسيين في تطبيق سياستها الاقتصادية هما عدد السكان الأكبر في العالم وحكم الحزب الواحد. كانت القرارات تنفذ بشكل صارم ولا مشكلة في القوى العاملة الرخيصة فنجحت الخطط الخمسية. التلاميذ الذين ارسلهم دينغ ليدرسوا في الخارج والذين يعدون من النوابغ في العالم كل في مجاله، هم من يحكم الصين حاليا. السياسات التي وصلت بالصين الى ما هي عليه اليوم، قادرة ان تستمر في ذلك. لأكثر من ٣٥ سنة كان العالم مندهشا بما تقوم به الصين، فلا يمكن ان يتحول التباطؤ الى انهيار في عدة اشهر.
اخيراً، النصف قرن الذي تنبأ به دينغ ينتهي في ٢٠٢٨، لذلك يجب التحضر للسيطرة الصينية في ذلك الوقت بدلا من توقع انهيار الاقتصاد الصيني حاليا.
الخطيب
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال