الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أخذ الاهتمام بالتعليم في القرن الحادي والعشرين اتجاه جديد يتمثل في المزيد من دراسة الوظيفة الاقتصادية للتعليم بجانب العناية بالوظائف الخلقية والثقافية والتعليمية. وبذلك أصبحت اقتصاديات التعليم Economics of Education تمثل أحد الموضوعات الرئيسية في مجال علم الاقتصاد وكذلك لدى المتخصصين في علوم التعليم وأصبح هذا الاهتمام يمثل موضوع دراسة قائم بحد ذاته، بل وأصبح تخصص يجمع بين علم التربية والتعليم وعلم الاقتصاد.
وبالرجوع إلى العديد من الدراسات والمراجع نجد أن عناية الاقتصاديين الخاصة بالتعليم وبدراسة آثاره الاقتصادية ترجع إلى عوامل متعددة كان من أهمها :
-دور التعليم المتزايد في دفع عملية التقدم والنمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية حيث أثبتت الأبحاث المتعددة أن الإنفاق على التعليم يمثل استثمارا Investment للموارد البشرية بجانب كونه يمثل خدمة استهلاكية.
-ارتفاع نفقات التعليم في السنوات الأخيرة في شتى البلدان ارتفاعٌ ملحوظ وضخامة ما ينفق عليه من الميزانية العامة للدول، تصل أحيانًا إلى 20 % من ميزانية الدولة، الأمر الذي دعا إلى البحث عن مدى الفائدة الاقتصادية والعائد الاقتصادي الذي يُرجى من إنفاق هذه الأموال على التعليم وأثرها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك بهدف الموازنة بين العائدات الاقتصادية للتعليم وعائدات الأموال التي تستثمر في المشروعات المختلفة الأخرى.
-التزايد الكبير في أعداد الطلاب وعجز كثير من بلدان العالم عن القيام بأعبائها التعليمية كاملة ومن ثم ظهور الحاجة إلى دراسة علمية تساعد في الوصول إلى أحسن عائد ممكن بأقل التكاليف الممكنة، ويؤدي بالتالي إلى ترشيد هذه النفقات بالاستناد إلى الوسائل الفنية العلمية المختلفة.
-الحاجة إلى البحث عن مصادر تمويل للتعليم مختلفة بحيث يمكن أن تغذي التعليم وتسد نفقاته وحاجاته Financing Education.
وجاء هذا الاهتمام المتزايد نتيجة لأعمال الرواد الأوائل في مجال اقتصاديات التعليم، وكان من أبرز روَّاد اقتصاديات التعليم:
آدم سميث Adam Smith:: وقد اتضحت اهتمامات آدم سميث بالعنصر البشري في كتابه الشهير ” ثروة الأمم ” حيث بين في أكثر من موضوع أهمية التعليم، وجعل بين عناصر التعليم رأس المال الثابت (Fixed Capital) الذي عرفه بالقابليات المكتسبة والمفيدة لبعض أعضاء المجتمع والتي يساهم التعليم في بنائها.
-الفريد مارشال :Alfred Marshall وقد وقف الفريد مارشال عند أهمية التعليم بوصفه استثمارًا قومي National Investment) ويمثل أقوى صور رأس المال عطاءً بالنسبة للمجتمع .
-وليام بيتي William Petty: هناك محاولات جادة لتقدير قيمة الكائن الإنساني منها محاولة ” بيتي ” الذي بنى تقديراته على أساس أن إجمالي مكاسب العمل هي البقية المتبقية للنفقات الكلية بعد خصم الأرباح من الأرض ومصادر أخرى وكذلك قيمة البشر تساوي عشرين مرة قدرة مكاسب العمل السنوي العالية.
-ماركس Marx: احتل عنصر العمل البشري أو الإنساني بمفهومه الواسع مكان الصدارة في الفكر الماركسي وقد انعكست أهمية النظرة الماركسية للإنسان في الأهمية القصوى التي أولاها الفكر الماركسي للتعليم باعتبار دوره الخلاق في إعداد وتكوين الإنسان وتنمية قدراته بشكل عام وقدراته الذهنية والفكرية بشكل خاص.
-مالتس Maltus: جاء ” مالتس ” وأنصاره ليؤكدوا من جديد أهمية التعليم ومكانته كعامل من عوامل التنمية الاقتصادية وإذا تتبعنا آراءهم لوجدنا أنهم يشيرون إلى دور التعليم في تنظيم العلاقة بين نمو السكان ونمو الموارد الطبيعية.
-فيشر Irving Fisher: أدخل ” فيشر” في نظريته رأس المال المعنوي (العنصر الإنساني) ضمن عناصر رأس المال . وقد أكد ” فيشر” وجوب استخدام رأس المال الإنساني أينما وجد وإذا كان رأس المال هو الرصيد الذي يؤدي إلى مزيد من الدخل بمضي الوقت فإن الأموال التي تتفق على التعليم تؤدي إلى مزيد من الدخل من وجهة نظر الفرد والمجتمع وهي بهذا المعنى تعتبر نوعا من أنواع المال باعتبار العنصر البشري يمثل الوعاء الذي ترصد فيه هذه الأموال.
-ليندبرج Eric Lundberg: لقد أثبت ” إريك ليندبرج ” أن الإنتاج يزيد مع مضي الوقت بالرغم من ثبات رأس المال العادي ولقد أدى ما أثبته ليندبرج إلى ضرورة البحث عن أسباب هذه الزيادة ومدى مالها من علاقة بالتعليم والخبرة والتدريب حيث توصل في ختام أبحاثه إلى وجود علاقة بين هذه الزيادة وبين عوامل التعليم والتدريب والخبرة.
-دینسون Edward Denison: تناول “دينسون” في بحثه عوامل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والعوامل البديلة وقياس أثر كل العوامل المختلفة ومن بينها (المستوى التعليمي على مستوى الدخل القومي وتوصل إلى أن عامل التعليم يساهم بحوالي 23% من مجموع الزيادة في الدخل القومي وقد مهدت هذه الأبحاث بوجه عام لظهور فكرة الاستثمار البشري وان كانت في حاجة إلى مزيد من الوضوح والدقة.
-شولتز T. W. Schultz: تكاد تكون أبحاث ” شولتز ” من الأبحاث الرائدة في مجال قياس العائد الاقتصادي للتعليم، فقد اتجه “شولتز” في أبحاثه الرائدة إلى فكرة الاستثمار في البشر مباشرة وبكل وضوح وتمكن من عرض هذه الثورة الجديدة . ثورة الاستثمار البشري . بكل تفصيل في كتابه ” القيمة الاقتصادية للتربية ” لقد ذكر شولتز أن الاهتمام بهذا الموضوع قد بدأ خلال عام 1957م حين استرعي نظره عجز الوسائل المستخدمة عن تغير زيادة الإنتاج بمضي الوقت فقد ركز “شولتز” في أبحاثه على قياس الزيادة في الإنتاج وظاهرة التحسن التي سادت الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة والتي أرجعها “شولتز” إلى زيادة استثمار الأمريكيين لأموالهم في أنفسهم.
وفي الختام؛ نشير إلى أن “شولتز ” أعتبر أن الاستثمار في التعليم هو الذي يفسر ما تتميز به ظاهرة النمو الاقتصادي البلدان المتقدمة، وأن مفتاح الاستثمار البشري يكمن في التعليم.
د. بدر سالم شارع البدراني
جامعة طيبة – كلية التربية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال