الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أولاً: الفقر ليس بالمال بل بالأفكار والطموحات – آدم سميث
إن الثورة التقنية لعلم الذكاء الاصطناعي وتقنياته الذكية المتطورة بشكل متزايدة ويصعب التنبؤ به أصبحت واقعاً حقيقياً ولا بد منه في العديد من المجالات وأهمها المجال القانوني, ومن أبرز التقنيات التي ظهرت مؤخراً والتي يثور حولها الجدل القانوني التقني, هي تقنية العقود الذكية أو عقود البلوكتشين وهي عقود تقوم بناءً على مبادئ الثقة والشفافية والدقة والخصوصية العالية لدى المتعاملين ولا تحتاج هذه العقود إلى وجود طرف ثالث (وسيط),وتمتاز بصعوبة التعديل والتغيير على شروطها وأحكامها بعد الاتفاق عليها ومن ناحية التنفيذ فإن بنود هذه العقود يتم تنفيذها بشكل تلقائي عند اكتمال الشروط والأحكام المتفق عليها بكل عقد ويمكن تنفيذها بأي عملة مشفرة وتعد منصة الإيثريوم أكثر المنصات الرقمية استخداماً للعقود الذكية.
ولا يختلف العقد الذكي عن العقود التقليدية فكلاهما يكون بهما إيجاب وقبول وبنوداً يتم الاتفاق عليها من قبل الطرفين, ولكن يتميز العقد الذكي بأن معدل الثقة والشفافية به أعلى من العقد التقليدي وذلك لكون أن هذه العقود الذكية تمر من خلال تقنية البلوكتشين (سلسلة الكتل الآمنة) والتي يتم بها التحقق من كود التشفير للعقد الذكي لرفع معايير الحماية وخصوصية والثقة لهذا العقد دون تدخل طرف ثالث أو جهة خارجية, ويعتبر هذا الكود (نظام أمني يتميز بخصوصيته وسرية وحفظه للمعلومات والبيانات المتوفرة به) ومن مزايا العقد الذكي بأنه يزود طرفي العقد بالمعلومات التجارية لكل الأطراف وهذا بخلاف العقد التقليدي الذي يتم به التعاقد في بعض الأحيان دون توافر معلومات كافية لدى أطرف العقد عن الطرف الآخر بخلاف أنه قد يتم تبادل معلومات تحمل في طياتها بعض التعديلات أو التزوير أو التدليس, ومن أهم مزايا العقود الذكية أنها عابرة للحدود وموفرة للوقت والمال فلا تحتاج هذه العقود إلى انتقال أي طرف لمكان الطرف الآخر وتبادل الزيارات وظهرت أهمية هذه الميزة خلال فترة جائحة كورونا وتوقف الرحلات الجوية والبرية والقيود المفروضة من الدول على حظر التجول والتنقل بين الدول, وكذلك يساهم العقد الذكية في تخفيض إلى حد كبير قضايا تنفيذ العقود وادعاء الغرر والتدليس بها أو إنكارها وذلك لكونها تمر بمراحل يصعب إنكار أي طرف للعقد وبنوده.
وهذه المزايا لا تجعل العقود الذكية عقوداً نموذجية خالية من العيوب أو الأخطاء والمخاطر فمن هذه العيوب عدم وضوح مبدأ المسؤولية فيه حال الخطأ أو الوقوع كضحية احتيال وغيرها من العيوب التي قد تظهر مع الإقبال على هذه العقود.
وإن من القانونين الذين يرون أن هذه العقود هي عقود تقنية ولا وتفقد للمفهوم القانوني للعقد, هو من رأي لا أساس له من الصحة لكون أن هذه العقود يكون فيها أهم أركان العقد الإيجاب والقبول والتشريعات القانونية لم تغفل عن هذه العقود والتعاملات الإلكترونية فعلى سبيل المثال المشرع القانوني لم يغفل عن هذا الأمر ففي نظام التعاملات الإلكترونية الصادر بتاريخ 1428ه, نصت المادة العاشرة منه في فقرتها الأولى على ( أنه يجوز التعبير عن الإيجاب والقبول في العقود بوساطة التعامل الإلكتروني…), وعرف التعامل الإلكتروني بأنه (أي تبادل أو تراسل أو تعاقد أو أي إجراء آخر يبرم أو ينفذ – بشكل كلي أو جزئي – بوسيلة إلكترونية), ومع إن النظام صدر بتاريخ ليس بالقريب ولكن المشرع لم يغفل عن ما قد تصل إليه التقنية وعلم الذكاء الاصطناعي من تطور وتقدم, وتضمن النظام في مواده تنظيمات والالتزامات فرضها على اطراف العلاقة التعاقدية كإصدار شهادة التصديق الرقمي على أي تعامل أو تعاقد أو إجراء تثبت صحته وخلوه من العيوب الشكلية والجوهرية والتدليس والغرر, وكذلك نظام الإثبات الذي صدر مؤخراً لم يغفل عن التعاملات والمحررات والتواقيع الإلكترونية والاعتراف بها وجعلها من طرق الأثبات الحديثة.
وصدور مثل هذه التشريعات خطوة متقدمة لجعل المملكة من الدول الرائدة بكافة المجالات الرقمية وبيئة جاذبة للتجارة الإلكترونية والاستثمارات الأجنبي والتحول التقني, وسوف نرى في الأيام القادمة منصات لتداول العملات الرقمية بالمملكة, الأمر الذي يحتم علينا كقانونيين وشرعيين الدخول لمجال التقنية ومواكبة هذا التطور وابتكار اشكال وأعمال وتطبيقات جديدة تخدم أتمتة مهنة المحاماة, وإن هذا التحدي يتطلب لنجاحه البدء في أخذ زمام المبادرة في فهم ودراسة هذه العقود وإجراء التجارب عليها لتطويرها وسد الثغرات القانونية والشرعية بها فالمبادرة في إجراء التجارب والفشل بها سوف يظهر أثره في تميز قطاع المحاماة السعودي بالمنطقة والعالم أجمع, فلا يجب انتظار تجارب وابتكارات شركات المحاماة الأجنبية بل يجب أن يصبح قطاع المحاماة السعودي مبتكراً ومطوراً في مجاله ليصبح مُصدراً للمحاماة التقنية, مما يجعله قادراً على منافسة شركات المحاماة الأجنبية التي دخلت بالسوق والشركات التي تهدف لدخول السوق والأسواق الخارجية.
أخيراً:
إن المعالي بالأفعال ندركها
ثوب الأماني لا يدنيك من أمل
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال