الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
* توضيحات: اتفاقية نيويورك (اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام ١٩٥٨م)، اتفاقية واشنطن (الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات الناشئة عن الاستثمارات بين الدول وبين رعايا الدول الأخرى لعام ١٩٦٥م).
إن التشريعات الدولية والقوانين المحلية الخاصة بالتحكيم وإنفاذ قراراته ترجع دائمًا لمصلحة التحكيم كونها أداة حل نزاع سلمية على المستوى الدولي وكذلك وسيلة فض نزاع بديلة على المستوى الإقليمي والمحلي. ومن دون أدنى شك، فإن لأحكام التحكيم أهمية بالغة كونها “ثمرة الزرع والمرام المنشود”. ومع ما يمتازه التحكيم من جماليات كثيرة تُرجمت لاستعمال ملحوظ وواسع، إلا أن الخطأ وكذا العيب قد يرد في أحكامه فيكون من العدل تنحيته أو تصحيحه. سؤاءً كان التحكيم مؤسسيا أو حراً، فإنه لا يمكن أن تناله العصمة المطلقة ولا السمو المبجل، وعليه فمن تمام تطبيق القانون الوقف أمامه وعدم إعماله. إن المناصر لأداة التحكيم لا يميل بشكل مباشر تجاه الرابح من القضية التحكيمية بل بتطبيق ما استُوجب من قانون واحترام ما عُقد من اتفاق. وكما هو معلوم، فإن لكل بلد قانونه الخاص بتنفيذ الأحكام التحكيمية، وبحكم أن القوانين تتلاقى فيما بينها من تفصيلات لعلل التحكيم، وذلك باعتمادها الكبير على قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري (انظر على سبيل المثال المادة الخامسة والثلاثون) ولالتزام الدول بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم (انظر المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك والمادة الثانية والخمسون من اتفاقية واشنطن)، فهي لا تخرج بجميع الأحوال عن ضوابط مشتركة في عدم تنفيذ الأحكام التحكيمية والتي يمكن تفصيل بعضها على نحو مقتضب.
فمناط الحديث هنا عن بعض العيوب الإجرائية التي حملها الحكم التحكيمي والتي تُصيره إلى إبطال، إلغاء، تنحية، أو عدم تنفيذ وذلك بناءً على قانون بلد التحكيم. وفيما يلي إشارة لبعض أسباب عدم تنفيذ أحكام المحكمين وتنحيتها حسب نصوص الإتفاقيات الدولية، وكذا القوانين الخليجية.
إن أول أسباب إلغاء الحكم التحكيمي وعدم تنفيذه هو فقدان اتفاق الأطراف المتنازعة حيال اللجوء للتحكيم. فمعلوم أن اتفاق الأطراف بعد ظهور النزاع للجوء للتحكيم لا ضير فيه، ولكن المهم إثبات صحة ووجود الاتفاق. وقد يُقدر أن الأطراف المتنازعة قد وافقوا على عرض أحد نزاعاتهم المحددة على التحكيم إلا أن النظر في هذه الموافقة، لا يعني أن يتم اختيار التحكيم على “كل/ أي” النزاعات. وهنا يكون النظر لصيغة اتفاق التحكيم للتأكد من عدم عمومية اللفظ من شرط التحكيم نفسه. وكذا يمكن إثبات انعدام الاتفاق بانعدام أهلية طرف التحكيم على عقد التحكيم نفسه كما لو صدر الاتفاق من مجنون أو قاصر أو منعدم الصفة القانونية التي تسمح له بعقد الاتفاق نيابة. وأخيراً، فإنه ينعدم اتفاق التحكيم إذا كان غير صحيحاً بموجب قانون بلد التحكيم نفسه. وشرط اتفاق التحكيم تم تأكيده في العديد من النصوص التحكيمية الدولية كالمادة ٤ والمادة ٥ من اتفاقية نيويورك، والمادة ٣٦/٢ من اتفاقية واشنطن. كذلك القوانين الخليجية تضمنت هذا الشرط الأساسي لصحة إجراءات التحكيم وتنفيذ أحكامه، فقد ورد هذا المبدأ في المادة ٥٦ من قانون التحكيم العماني ١٤١٨ه، والمادة ١٨٥ من قانون التحكيم الكويتي ١٩٨٠م، وكذلك المادة ٥٥ من القانون الاتحادي الإماراتي رقم (٦) ٢٠١٨م بشأن التحكيم. وعليه، يجب إلغاء أي حكم تحكيمي وتنحيته إذا كان خاليًا من اتفاق الأطراف للجوء إليه.
إن الحديث عن أهمية اتفاق التحكيم هو لتوجيه هيئة التحكيم لحدود النظر في القضية التحكيمية إبتداءً كالتأكد من وجود اتفاق التحكيم وكذلك للسير بأطر القواعد القانونية. فللأطراف التحكيمية وضع حدود الأسئلة القانونية “الموضوعات المتنازع عليها” التي ستنظرها الهيئة، وهي بجميع الأحوال حدود مصونة بقوة القانون ينبغي للمحكم الامتثال لها وعدم تجاوزها حتى لا يشوب الحكم عيب. وهذا تأكيد على المبدأ القانوني بأن المُحَكَم يستمد سلطته القانونية من اتفاق الأطراف بعكس القاضي الذي يكتسب سلطته من قوة النظام نفسه (انظر المبدأ الصادر من محكمة التمييز الكويتية، في الطعن رقم ١٢٩٦ تجاري ٢٠٠٦م). وقد أكد على هذا المبدأ ما ورد في المادة ٥٢/ب من اتفاقية واشنطن والمادة ٥/ج من اتفاقية نيويورك. وكذلك تم تأكيد هذا الشرط حسب ما ورد في المادة ٥٠/و من نظام التحكيم السعودي ١٤٣٤ه، والمادة ٣٥/ج من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية القطري ٢٠١٧م . وعليه، فإنه من المتحتم أن يقوم الطرف الراغب بإلغاء أو تنحية الحكم التحكيمي بموافاة الإدارة أو المحكمة المختصة بالتنفيذ بما يثبت تجاوز سلطة هيئة التحكيم في فصلها لموضوعات لم يشملها اتفاق الأطراف.
لا يختلف المنظور بأسباب بطلان أحكام التحكيم إذا كانت القضية المتنازع عليها غير قابلة لعرضها على التحكيم وتحديداً وفق قانون البلد الذي يطلب فيه الاعتراف بالحكم أو تنفيذه. ومع أن الدول تختلف بقوانينها حيال النزاعات القابلة لحلها عبر التحكيم، إلا أن هناك عدد من المواضيع المشتركة بينها كالمواضيع الجنائية، والقضايا المتعلقة بالجنسية، أو الأحوال الشخصية، وغيرها. إن هذه المواضيع المحظورة من عرضها على التحكيم يجب أن تكون وفق بلد المنفذ فيه الحكم أو قانون مقر التحكيم وذلك كما ورد في المادة ٥/٢ من اتفاقية نيويورك، وما ورد في المادة ١٧٣ من قانون التحكيم الكويتي ١٩٨٠م، وما نصت عليه المادة ٥٣/٢ من قانون التحكيم العماني ١٤١٨ه، وكذلك ما بينته المادة ٥٠/٢ من نظام التحكيم السعودي ١٤٣٤ه. وعليه، يمكن لطالب إلغاء الحكم التحكيمي أن يعرض أسبابه على الإدارة أو المحكمة المختصة بتنفيذ الأحكام بعدم قابلية تنفيذ الحكم التحكيمي كون أن الموضوع المتنازع عليه لا يقبل عرضه على التحكيم وفق بلد التحكيم أو البلد المطالب فيه تنفيذ الحكم. ومن المهم البيان بأن هناك اتجاهات حديثة تدعو إلى توسيع المواضيع أمام الهيئة التحكيمية وذلك لتطور الممارسات التحكيمية وتنوعها على جميع المستويات كقضايا الأحوال الشخصية، الضريبية، وكذا الجنائية. (يتبع).
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال