الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كلمة الاستدامة ومجموعة المصطلحات الأخرى المرتبطة بالمحافظة علـى البيئة ومستقبل كوكب الأرض حتى قيام الساعة؛ من الكلمات الجميلة والرنّانة والتي تم تداولها بكثرة في السنوات الأخيرة. طبعاً لو كان نطقها باللغة الإنجليزية Sustainability لأصبح لها رنة ونغمة موسيقية مميزة وتطلع أحلى وأكشخ، ويصبح من الواضح والذي لا يدع مجالاً للشك أن قائلها لديه دراية كافية وفهم معرفي عميق بها. وكلما أكثر الإنسان في كلامه من هذه المصطلحات كلما كان مواكباً للتطور وأكثر فهماً واطلاعاً على مجريات ما يحدث حوله وحواليه في العالم. طيب ما علينا مما تم ذكره سابقاً ونعود للموضوع المهم، في رأيي يمكن أن يتم تحقيق الاستدامة والاستفادة من معانيها الجميلة في المشاريع العقارية في عدة أنشطة، و سأركز على أهمها من وجهة نظري وهي كما يلي:
الاستدامة في التصميم: التصميم المعماري هو حجر الأساس في تنفيذ أي مشروع عقاري وهو الذي من خلاله يمكن تحقيق الاستدامة والاستمرارية للمشروع بجميع مكوناته وأنشطته. وصحيح أن التصميم فيه عدة أنشطة والتي هدفها إيجاد حلول مناسبة والتي تحقق الاستفادة الأفضل من المشروع العقاري من جميع النواحي، لكن أحد هذه الأنشطة ومن أهمها والذي سنركز عليه هنا هو التصميم الجمالي الخارجي والداخلي للمشروع. مع أن الجمال نسبي وقد يختلف الذوق من شخص إلى آخر حسب عدة معايير لكن يبقى هناك نسبة من الجمالية يتوافق عليها الكثير من الناس.
لكن للأسف نجد بعض المعماريين يتحول – دون أن يشعر – إلى مجرد فنان خيالي تطغى عليه فكرة “الجمالية” المبالغ فيها ويهمل أو يقلل من التركيز على المعايير المعمارية الأخرى. لكن لو ركزنا على جمالية التصميم وهو أحد العناصر المهمة في نجاح المشروع، فنجد المعماري قد لا يراعي الظروف البيئية والثقافة المجتمعية والمعرفة العميقة بالمشروع والتي تحقق التجربة الجيدة لمستخدمي ومرتادي المشروع، فيصبح همه الأكبر أن يصمم مشروع “فانتزي” يبهر به الآخرين بغض النظر عن صلاحيته ونجاحه أو حتى استمرارية جماليته على المدى الطويل. فنرى بعض المشاريع العقارية لها عشرات السنين ولا يزال لها رونق جمالي مستمر حتى اليوم، بينما مشاريع أخرى كان تصميمها في وقتها مبهر وربما خيالي لكن سرعان ما فقدت جمالها وبريقها. لذا من المهم أن يبقى تصميم المشروع العقاري جميلاً لأطول فترة ممكنة، وذلك إذا تحققت فيها المعايير الجمالية التي تراعي وتتوافق وتحترم البيئة وعناصرها والثقافة والمجتمع والظروف الأخرى المحيطة به.
الاستدامة في المباني: وإن كانت مرتبطة بشكل أساسي بالتصميم، فبعد تحقيق معايير الاستدامة في التصميم؛ سيكون من السهولة تحقيقها في تنفيذ وبناء المشاريع العقارية. لذا ينبغي أن يكون التنفيذ وفق المعايير الهندسية المناسبة في اختيار مواد البناء ومواد التشطيب الداخلي والخارجي والتي تكون ذات جودة مناسبة تتوافق مع نوعية المشروع العقاري والظروف البيئية المحيطة بالمشروع، وكذلك نوعية وطريقة البناء تساعد أيضاً في تحقيق الاستدامة في المشروع. فمثلاً المباني مسبقة الصب عمرها الافتراضي يعادل تقريباً ضعف عمر المشاريع الأخرى التي تبنى بالنظام التقليدي العادي، بل وتحقق معايير أفضل في الأمور الأخرى مثل العزل الحراري والمائي. وكذلك اختيار مواد التشطيب المناسبة يحقق استدامة أفضل للمشروع، فمثلاً عند تكسية الواجهات بكميات زجاج مبالغ فيها، وفي بيئة صحراوية جافة تصل الحرارة الخارجية فيها على الأسطح إلى أكثر من 70 درجة مئوية؛ سيكون لذلك أثر كبير على جودة وكفاءة تشغيل المبنى – التي سيكون توضيحها في النقطة التالية -، لذا إذا كان التنفيذ وفق المعايير الهندسية المناسبة للمشروع العقاري بجميع تفاصيله ومواده والظروف المحيطة به؛ كان أثر ذلك واضحاً على استدامة المبنى وطول عمره الافتراضي.
الاستدامة في التشغيل: وهذه النقطة مرتبطة ارتباطاً كبيراً بما قبلها في التصميم والتنفيذ، فإذا كان التصميم والتنفيذ وفق المعايير الهندسية المناسبة؛ سيحقق ذلك كفاءة أفضل في الصيانة والتشغيل للمشروع العقاري، فمثلاً إذا رجعنا لنفس المثال السابق في تكسية الواجهات بالزجاج المبالغ فيه والذي لم يراعى فيه الظروف البيئية سيكون لذلك أثر واضح في تقليل كفاءة التكييف داخل المباني والذي بدوره يزيد من الاستهلاك الكهربائي ويقلل من العمر الافتراضي لوحدات التكييف نفسها، وكذلك عندما يصاحب البيئة الصحراوية موجات من الغبار والأتربة الضبابية اللطيفة سيكون لها أثر واضح على أعمال الصيانة والتنظيف.
الاستدامة في الإيرادات: وهذه تعتبر النتيجة المهمة للنقاط السابقة. حيث أن الهدف الأساسي من الاستثمار في العقار المدر للدخل تحديداً هو الاستمرارية في الإيرادات وتحقيق الاستدامة فيها. لذا ينبغي الحرص ابتداءً على استقطاب العميل المناسب لنوعية وطبيعة العقار والذي لديه سمعة وملاءة مالية جيدة. وهنا يأتي دور التسعير المناسب للقيمة الإيجارية بما يتناسب مع وضع السوق والذي يُبقي ويحافظ على العميل الجيد لأطول فترة ممكنة والذي يعتبر وجوده قيمة إضافية حقيقة ومهمة للمشروع. كما ينبغي مراعاة الزيادات في القيمة الإيجارية للمشروع، فصحيح أنها ينبغي أن تعكس الوضع السائد في أسعار السوق، لكن ينبغي أن يبادر مالك العقار في حال ركود السوق أو انخفاض الأسعار بتخفيض القيم الإيجارية على المستأجرين، حيث أن الدخل هدف أساسي ومهم لكن المحافظة على العميل الجيد يعتبر هدف استراتيجي للمشروع. والحرص على العميل الاستراتيجي لا يحافظ عليه فقط بل يحافظ على بقية المستأجرين في المشروع.
وأخيراً لا اعتقد أنني أحطت بهذا الموضوع علماً وافياً وفهماً عميقاً، أو أدعي أنني استطعت الإجابة عن كامل التساؤلات فيه، فالموضوع أكبر من أن يتم اختزاله في مقال، لكن من باب وضع إضاءات ولو بسيطة. لذا من المفترض على كل مطور عقاري يهتم بنوعية منتجاته وإنجاز مشاريعه ويحرص على سمعته؛ أن يقوم بتنفيذ مشاريع ذات جودة وكفاءة عالية ومستدامة لفترات طويلة، حتى وأن قام المالك ببيع المشروع لاحقاً سيجد المشتري فيه فائدة حقيقة وميزة تنافسية عن غيره من المشاريع الأخرى.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال