الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يقال أن أحد أيسر الطرق لتحقيق نجاحات في مختلف نواحي الحياة من دراسة او تجارة او حتى وظيفة هو المحاكاة (التقليد). أحيانا هذه المحاكاة تكون بشكل لا واعي نتيجة للاعتياد (الروتين) او تحت تأثير لحظات الانبهار بشخص معين او شركة معينة او رجل أعمال معين وفي أحيان أخرى تكون المحاكاة أسلوبا مقصودا للتعليم او التدريب. وهنا لابد ان ننوه إلى أن المحاكاة لا تكون على مستوى فرد او مؤسسة أوشركة فقط وانما قد تكون أيضا على مستوى الدول والمجتمعات بشكل كامل. وغالبا يستخدم المحاكون المحاكاة كإستيراتيجية يحاولون من خلالها الوصول الى نفس النتائج التي توصل اليها من يحاكونه. فمثلا تجد في كثير من الأحيان الذي يسعى لابتداء مشروع تجاري يحاول أن يحاكي قصة ناجحة إما لرجل إعمال آخر او لمنشأة أخرى وذلك ظنا منه ان محاكاة تلك القصة او الشخص او المؤسسة هو الاسلوب الأمثل لكون تلك الحالات حققت النجاح ولامسته فلابد أن محاكاتها سوف تفضي الى نفس النتيجة.
المحاكاة هي أسلوب قادر على مساعدة كل صاحب مشروع في تحقيق كثير من اهدافة المرغوبة لكن النجاح لن يكون إذا ما كانت المحاكاة هي محاكاة بلا وعي ولا إدراك عميق للنموذج المراد محاكاته. فالتأثر العاطفي بوهج نجاح النموذج المحاكى قد يؤدي الى فقدان التركيز والدراسة العميقة للنموذج من أجل الخروج بخطة محاكاة تلائم حجم المشروع وبيئتة وموارده وقدراته. ليس من التخطيط الاستيراد او التطبيق الاعمى لنماذج ناجحة وذلك لأن تلك النماذج الناجحة مرت بمراحل تأسيس وتطوير وبناء وكسب ثقة حتى وصلت الى الاستقرار والنجاح والانتشار. لذا احيانا المحاكاة العمياء تسبب نوعا من التوهان و العجلة الغير محمودة النتائج وذلك بسبب أن قوة وضوح النموذج المحاكى تجعل الامر اكثر سهولة مما هو عليه احيانا. من الأمثلة التي تبين خطورة المحاكاة واعتيادها، نظام التعليم العام والجامعي لدينا فهو مر ويمر بمراحل محاكاة متنوعة فمرة نريد ان نحاكي النموذج الياباني ومرة نريد ان نحاكي النموذج الامريكي ومرات أخرى نريد ان نحاكي النموذج البريطاني وإلخ.
وكما تطرقنا المحاكاة بحد ذاتها ليست مشكلة وإنما المشكلة في طريقة او خطة المحاكاة. فجميل ان تكون المحاكاة للأمور الايجابية فقط ورائع ان نريد ان نؤسس جيل جاد ومنتمي ومنتج كما في المجتمع الياباني و شباب عامل ومبدع كما في النموذج الامريكي و لكن الغير جميل أبدا هو التوهان حين نريد ان نحاكي كل النماذج الايجابية حتى فقدنا احيانا الهوية ولم نعد نعلم ماذا نريد بالضبط!!.
فتخيل معي هنا أنك تريد أن تؤسس شركة إلكترونيات وأخذت تحاول محاكاة نموذج أبل و سامسونج و إل جي مرة واحدة، الاستفادة من خبراتهم أمر جوهري في نجاح مشروعك لكن محاولة تقليدهم واخذ نموذجهم كما هو, ما هو الا التوهان بعينة وفقدان الهوية. فقدان الهوية أمر ليس باليسير أبدا، فإن بدأت مشروعك وانت في توهان وفقدان للهوية عندها سيصعب عليك كثيرا عملية اقناع المستهلك والمستثمر او حتى الموظف العامل لديك بماهية مشروعك فأنت لست أبل ولا سامسونج ولا ايضا ال جي وموظفيك وتابعيك والبيئة المحيطة بمشروعك ليست كما هي في أبل او سامسونج او إل جي. فإذا اردت ان تؤسس لمشروع معين أحد أهم نقاط التأسيس التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي عملية بناء الهوية المستقلة والكيان المعنوي الواضح المعالم للمشروع و الذي بناءا عليه تستطيع ان تنتج منتجك المختلف وان تسوق لخدمتك المختلفة. لذا المحاكاة تعتبر احد الاساليب الرائجة والايسر جهدا للبدأ والانشاء ولكن متى كانت مستخدمة كجزء وليس كل خطة العمل او المشروع. الاستفادة من الخبرات والنماذج الموجودة أمر هام جدا وهو من اهم جزئيات دراسة الجدوى الاقتصادية.
فلست هنا داعيا لتجاهل النماذج الناجحة او الادعاء بضرورة البدأ من حيث بدأ الآخرون ولكنني هنا اقف أمام موجة محاكاة عالية صنعتها الصورة والتبسيط المفرط في برامج التواصل الاجتماعي. فكثير مثلا من القيم تم استيرادها ومحاكاتها جميلها وقبيحها من خلال الصورة والزخم المعلوماتي الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي والذي في كثير من الاحيان يكون مجتزأ وغير مكتمل بحسب حدود ورؤية العين الملتقطة للصورة او الأحرف المحددة للتغريدة. ونحن أمام مشروع رؤية 2030 نحتاج الى أن نعزز الهوية التي نريد وهي هوية المملكة العربية السعودية التي يجب ان تكون نهايةَ نموذج ناجح يحتذى به كنموذج اليابان وماليزيا وغيرها من النماذج الناجحة. ولكن هنا يجب ان نعرف ان التحليل و الدراسة المقتصرة على عملية المحاكاة والتقليد للنماذج الموجودة الناجحة هي دراسات ضيقة الافق او قد تكون مفضية الى التوهان لذا يجب ان تكون هناك ايضا دراسات لتحديد ورسم الهوية التي تمثلنا او نريدها ان تمثلنا فلست مع من يقول اننا نريد ان نكون اليابان في الثورة الصناعية و امريكا في الثورة الاقتصادية و بريطانيا في النقل العام و ماليزيا في تحقيق الهدف والخ من النماذج الناجحة في مختلف المجالات. أعرف أخي القارئ العزيز انك الان في تساؤل “اين المشكلة في هذا؟؟!!” المشكلة اننا قد نكرر ما يحدث مثلا في قطاع التعليم من عمليات محاكاة متعددة تسببت في غياب الأسلوب الذي يمثلنا والذي يفترض اننا وصلنا الى مرحلة نعتز فيها به كنموذج مختلف نعدله ونطوره ولكننا للاسف لا زلنا نتنقل في المحاكاة من دولة الى دولة دون وضوح للرؤية. فمثلا في التعليم الجامعي على مستوى العالم، الأسلوب البريطاني ليس الأسلوب الامريكي وكلهم نماذج تعتبر ناجحة في التعليم لكن كل منهم له هويته المستقلة.
وأحيانا مشكلة التوهان او فقدان الهوية لا تكون بسبب المحاكاة المتعددة فقط وانما ايضا بسبب عدم الثقة لان المحاكاة من مشاكلها حين تكون بلا وعي او دراسة مستفيضة لتكوين هوية مستقلة أنها تكون تطبيق بلا إنتماء يعزز الثقة وبالتالي قد تتسبب كل عملية نقد في نسف الخطة العملية او تعديلها التعديل المخل او حتى إلغاؤها والجري خلف هوية اخرى او الدخول في محاكاة اخرى. لذا نجد مثلا في قطاع التعليم اننا نعاني من مشكلة النقد المستمر الذي يأتي كل مرة مدعماً بأمثلة لنماذج مختلفة فمرة احدهم ينتقد وهو محق ولكنه يرى ان طوق النجاة هو استخدام الاسلوب التعليمي للدولة كذا ويأتي اخر يرى ان النجاح متحقق لا محالة متى تم محاكاة نموذج الدولة الاخرى وكل منهم لديه تركيز مختلف فمتى ما كان صاحب المشروع او القائم على عملية المحاكاة او التخطيط يحاكي بلا هوية مقصودة ومستقلة ستجد انه يتأثر بسهولة وبشكل سريع بهذه الانتقادات او الاراء المختلفة ويستمر في مرحلة فقدان الهوية وعدم الاتزان نظير التنقل المستمر بين محاكاة النماذج الناجحة.
خاتمة: الرجل الآلي الذي هو من صنع البشر أهم مزاياه وقدراته هي محاكاته لحركات وسكنات الانسان الحقيقي، فهو ليس برجلٍ آلي متى ما كان محاكيا لحركات الانسان والحيوان والنبات مثلا في آنٍ واحد ولن تجد صانِعهُ الياباني مثلا يهتم بكون آلته تقلد حركات الانسان الخليجي او الأوروبي بل يكون عادة التركيز من بيئة الصانع وغالبا يكون الاهتمام بأن تمتلك الآلة القدرة على تقليد حركات الانسان الطبيعية المعتادة في مختلف الثقافات (فالهوية المراده رجل أو إنسان آلي).
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال