الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في عالم الاقتصاد، تطورت العديد من النظريات التي تسعى إلى تفسير وتوجيه السياسات المالية والنقدية. يعكس تطور المدارس الاقتصادية التغيرات الاجتماعية والتاريخية والسياسية على مر العصور. من الأفكار الكلاسيكية التي بدأت في القرن الثامن عشر إلى النظريات الحديثة التي تستجيب للتحديات الاقتصادية الحالية، تستمر النظرية الاقتصادية في التطور والنمو. كل مدرسة تقدم رؤية فريدة تسعى إلى تفسير وتحسين الأداء الاقتصادي، مما يساهم في تكوين فهم شامل ومعمق للاقتصاد العالمي.
من بين هذه النظريات، برزت النظرية النقدية الحديثة (MMT) كإحدى النظريات الأكثر إثارة للجدل والتأثير في الآونة الأخيرة. تهدف هذه النظرية إلى تقديم إطار جديد لفهم دور الحكومة في الاقتصاد، وخاصة فيما يتعلق بالإنفاق الحكومي، الضرائب، والدين العام.
المدارس الاقتصادية الرئيسية
المدرسة الكلاسيكية
بدأت المدرسة الكلاسيكية في القرن الثامن عشر واستمرت حتى أوائل القرن التاسع عشر، ويُعتبر آدم سميث، ديفيد ريكاردو، وتوماس مالثوس من أبرز مؤسسيها. قدمت هذه المدرسة مفاهيم رئيسية مثل السوق الحر، حيث يُعتبر النظام الأمثل لتخصيص الموارد. كما اقترح آدم سميث مفهوم “اليد الخفية”، الذي يشير إلى أن الأفراد الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة يساهمون بشكل غير مباشر في تحقيق المصلحة العامة. إضافة إلى ذلك، قدّم قانون الأسواق (Say’s Law) الذي يشير إلى أن “العرض يخلق الطلب الخاص به”، أي أن الإنتاج يؤدي دائماً إلى الطلب الكافي لاستيعاب المنتجات.
المدرسة النيوكلاسيكية
ظهرت المدرسة النيوكلاسيكية في أواخر القرن التاسع عشر بفضل أعمال وليام ستانلي جيفونز، كارل مينجر، وليون والراس. ركزت هذه المدرسة على الفردية، حيث يبدأ التحليل الاقتصادي من سلوك الأفراد والأسر. كما أكدت على توازن السوق، حيث يُعتقد أن الأسواق تميل إلى التوازن بسبب تعديلات الأسعار. إضافة إلى ذلك، قدمت نظرية المنفعة الهامشية، التي تعتمد على المنفعة الإضافية التي يوفرها كل وحدة إضافية من السلعة.
المدرسة الكينزية
في القرن العشرين، خاصة في الثلاثينيات، ظهرت المدرسة الكينزية بفضل جون ماينارد كينز. جادل كينز بأن الحكومة يجب أن تتدخل في الاقتصاد لتحقيق الاستقرار الكلي. وأكد على أن المستوى العام للنشاط الاقتصادي يعتمد على الطلب الكلي (الفعلي). وأوضح أن السياسات المالية (الإنفاق الحكومي والضرائب) والسياسات النقدية (تحكم في عرض النقود وأسعار الفائدة) يجب أن تُستخدم لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
المدرسة النقدية
في منتصف القرن العشرين، ظهر ميلتون فريدمان كأحد أبرز مؤسسي المدرسة النقدية. أكدت هذه المدرسة على دور النقود في الاقتصاد، حيث يُعتبر التحكم في عرض النقود العامل الرئيسي في تحديد النشاط الاقتصادي على المدى الطويل. كما انتقدت النقدية التدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد، مفضلة قواعد ثابتة للسياسات النقدية بدلاً من التدخلات الحكومية المتكررة.
المدرسة النمساوية
نشأت المدرسة النمساوية في أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى القرن العشرين، ويُعتبر كارل مينجر، لودفيج فون ميزس، وفريدريش هايك من أبرز ممثليها. ركزت هذه المدرسة على الفردية ودور الريادة في السوق، واعتبرت السوق عملية ديناميكية مستمرة لا يمكن توازنها بشكل ثابت. كما انتقدت التدخلات الحكومية الواسعة، مدافعة عن الأسواق الحرة غير المقيدة.
المدرسة الماركسية
في القرن التاسع عشر، ظهر كارل ماركس كمؤسس للمدرسة الماركسية، التي ركزت على الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية. دعا ماركس إلى التحول إلى نظام اشتراكي عبر الثورة، معتمداً على نظرية القيمة العمل، التي تشير إلى أن قيمة السلعة تعتمد على كمية العمل المبذول في إنتاجها.
المدرسة المؤسسية
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ظهرت المدرسة المؤسسية بفضل أعمال ثورستين فيبلين وجون كومونز. أكدت هذه المدرسة على أهمية المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية في تشكيل الاقتصاد، مشددة على أن الاقتصاد يجب أن يُفهم كعملية تطورية تاريخية.
المدرسة الجديدة الكينزية
في أواخر القرن العشرين، ظهرت المدرسة الجديدة الكينزية، والتي دمجت التحليل الاقتصادي الكينزي مع النماذج النيوكلاسيكية للسوق. اعترفت هذه المدرسة بأن الأسعار والأجور قد لا تتكيف بسرعة مع التغيرات في العرض والطلب، مما يؤدي إلى تذبذبات في الاقتصاد الكلي.
النظرية النقدية الحديثة (MMT)
في أواخر القرن العشرين وحتى القرن الحادي والعشرين، ظهرت النظرية النقدية الحديثة بفضل اقتصاديين مثل بيل ميتشل ووارن موسلر. أكدت هذه النظرية على قدرة الحكومات التي تصدر عملتها الخاصة على تمويل الإنفاق العام دون قيود كبيرة. كما ركزت على دور الضرائب في تنظيم الطلب ومنع التضخم، وليس لتمويل الإنفاق الحكومي بشكل مباشر. وأكدت على أن الحكومة يجب أن تضمن التوظيف الكامل من خلال برامج العمل العامة.
الخاتمة
في المقالات القادمة، سأوضح كيف تختلف النظرية النقدية الحديثة (MMT) عن باقي المدارس الاقتصادية في عدة جوانب رئيسية مثل دور الضرائب، التوظيف الكامل، السياسات المالية والنقدية، العجز والديون الحكومية، والتضخم.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال