الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تخيّل شهرًا يتحول فيه الحرمان الشريفان إلى قلب نابض يستقبل أكثر من 122 مليون زائر، كأن الأرض نفسها تضيق بضيوف الرحمن في رقصة روحانية واقتصادية لم تشهدها المملكة من قبل. هكذا كان رمضان 2025 – 1446، حيث كشفت الهيئة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عن أرقام تُذهل العقول16 مليونًا و500 ألف معتمر يعانقون الكعبة، وأكثر من 75 مليونًا و500 ألف صلاة تتعانق في المسجد الحرام، و30 مليونًا تتردد أصداؤها في المسجد النبوي. لكن خلف هذه الأرقام التاريخية، تتشابك قصة اقتصاد مزدهر ينبض بالمليارات، وتحدٍ لوجستي يضع المملكة على مفترق طرق بين الإنجاز والطموح.
كأن رمضان 2025 جاء حاملًا معه مفاجأة تتجاوز التوقعات، فقد استقبلت المملكة أكثر من 122 مليون زائر في شهر الصيام، في رقم يُعد الأضخم في تاريخها الحديث. بين 16 مليونًا و500 ألف معتمر، وأكثر من 75 مليونًا و500 ألف مصل في المسجد الحرام، وأكثر من 30 مليون مصل في المسجد النبوي، تتجلى قصة نجاح اقتصادي مذهل يقابله تحدٍ لوجستي يختبر قدرات المملكة. فما الذي يعنيه هذا الزخم للاقتصاد السعودي؟ وكيف استطاعت البنية التحتية استيعاب هذه الأعداد الهائلة؟
قبل ان نسترسل في الحديث عن الجانب الاقتصادي، علينا التوقف امام قصة نجاح مبهرة لابد ان تحكى، اعداد مليونية تفوق اعداد موسم الحج، ومع ذلك لم تنقطع الخدمات الكهربائية ولا المياه ولم يتأثر توافر المواد الغذائية ولم تختنق الحركة المرورية اضافة انسيابية ادارة الحشود على مدار الساعة في الحرمين الشريفين. هذا النجاح لم يأتي صدفة بل بتخطيط وتظافر الجهود من جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية الاخرى وايضا القطاع الخاص وفي ظل متابعة وتوجيه خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد – حفظهما الله-.
نجاح اخر فاق الرحلات الدينية والتي هي أحد أعمدة الاقتصاد السعودي، لكن رمضان 2025 رفع سقف الطموحات. مع أكثر من مائة واثنين وعشرين مليون زائر، أي ما يعادل أربعة ملايين يوميًا على مدار الشهر، يُقدر الإنفاق اليومي بين اثنين إلى أربع مليارات ريال، بناءً على متوسط إنفاق يتراوح بين 500 وألف ريال لكل زائر يوميًا على الإقامة والطعام والنقل والتسوق. النتيجة؟ إجمالي إيرادات محتملة تتراوح بين 61 إلى 122 مليار ريال، خلال 30 يومًا فقط.
مقارنة بـرمضان 2024، حيث قدرت الإيرادات بحوالي 40 إلى 50 مليار ريال بناءً على 13 مليونا و550 ألف معتمر، فإن الزيادة تصل إلى نسبة تتراوح بين 50 إلى مائة بالمائة. هذا النمو المدفوع بزيادة المعتمرين بنسبة 21،8 في المائة في المائة، والمصلين بنسبة 50 إلى 51 بالمائة، يُظهر كيف أصبحت المملكة محركًا اقتصاديًا عالميًا في مواسم الذروة الدينية.
الفائزون الكبار هم قطاعات السياحة والضيافة والنقل. فنادق مكة والمدينة شهدت إشغالًا كاملًا، مع أسعار غرف تتراوح بين 300 إلى ألف ريال يوميًا، مما يعني زيادة إيرادات بنسبة 30 إلى 50 بالمائة عن العام الماضي. شركات النقل، من قطار الحرمين إلى أكثر من 10 آلاف حافلة، استفادت من نقل ملايين الزوار بين المدينتين المقدستين، بزيادة طلب تصل إلى 30 بالمائة.
أما الأسواق المحلية والمطاعم فقد ازدهرت بفضل مشتريات الزوار وتوزيع أكثر من 720 ألف وجبة إفطار يوميًا، ما يُترجم إلى نمو في الإنفاق بنسبة 40 إلى 60 بالمائة. هذا الانتعاش لم يقتصر على الإيرادات، بل شمل خلق عشرات الآلاف من الوظائف الموسمية في الأمن والخدمات والإرشاد، بزيادة 20 إلى 30 بالمائة عن 2024، مع دعم استقرار التضخم عبر تنشيط الإنتاج المحلي للغذاء والسلع.
وراء هذا النجاح الاقتصادي، تكمن قصة لوجستية تُظهر قدرات المملكة على مواجهة التحديات. استقبال أكثر من 122 مليون زائر يعني إدارة أربعة ملايين يوميًا، مع تركيز كبير في مكة حيث أدى أكثر من 75 مليونًا و500 ألف صلاة في المسجد الحرام ” مليوني ونصف المليون يوميا” 30 مليونًا في المسجد النبوي “مليون يوميًا”. مقارنة بـرمضان 2024، حيث كان المتوسط اليومي في مكة يتراوح بين مليون ونصف إلى مليونين مصل، وفي المدينة بين 600 إلى 700 ألف، فإن الضغط اللوجستي زاد بنسبة 50 بالمائة.
في أيام الذروة، خاصة العشر الأواخر، قد تصل الأعداد إلى 5 إلى 6 ملايين يوميًا في مكة، بما يشمل ثلاثة إلى أربعة ملايين مصل وأكثر من مليون معتمر، مقارنة بثلاثة إلى أربعة ملايين في 2024. هذا الارتفاع يتطلب تنظيمًا دقيقًا للحشود في الساحات والمسارات، مع ضغط مضاعف على أبواب الحرمين. استهلاك مياه زمزم قفز إلى أكثر من 1200 متر مكعب يوميًا في مكة “نصف لتر لكل مصل أو معتمر”، بزيادة 50 بالمائة عن 800 متر مكعب في العام الماضي. توزيع الوجبات أيضًا شهد طفرة، مع أكثر من 720 ألف وجبة إفطار يوميًا “500 ألف في مكة و220 ألف في المدينة”، مقارنة 500 ألف في 2024، أي زيادة 44 بالمائة.
النقل كان أحد أكبر التحديات، مع 550 ألف معتمر يوميًا يحتاجون إلى عشرة آلاف حافلة 20 ألف سيارة اجرة، بزيادة 20 بالمائة عن العام الماضي. قطار الحرمين نقل ما بين مليون إلى مليوني راكب خلال الشهر، بزيادة 30 بالمائة، لكن الازدحام في المحطات والطرق الرابطة يبقى عقبة تتطلب حلولًا مبتكرة. الخدمات البشرية لم تكن بمنأى، إذ عُين أكثر من 10 آلاف موظف يوميًا في الأمن والتنظيف والرعاية الصحية، بزيادة 25 بالمائة عن 8 آلاف في 2024، مع ضغط كبير على المستشفيات الميدانية التي تستقبل آلاف الحالات يوميًا في أوقات الذروة، بزيادة 50 بالمائة.
هذه الأعداد تُظهر نجاحًا باهرًا في تحقيق أهداف رؤية 2030، التي تطمح لاستقبال 30 مليون معتمر سنويًا بحلول نهاية العقد. الزيادة إلى 16 مليونًا و500 ألف معتمر في رمضان وحده، بنمو 21.8 بالمائة عن 2024، تُثبت فعالية التأشيرات الإلكترونية والتوسعات في الحرمين. التطبيقات الذكية مثل “نسك” وأنظمة المراقبة بالذكاء الاصطناعي ساهمت في تقليل الفوضى، بزيادة استخدام 20 بالمائة، لكن التحدي يكمن في استدامة هذا الزخم.
اقتصاديًا، الإيرادات التاريخية تعزز مكانة المملكة كوجهة دينية عالمية، لكنها تتطلب استثمارات إضافية في الفنادق والنقل لتلبية الطلب المستقبلي. لوجستيًا، الضغط المتزايد يستلزم توسيع الأسطول الناقل، تحديث البنية التحتية، وزيادة الموارد البشرية. المملكة نجحت في اختبار رمضان 2025، لكن الطريق إلى استقبال أعداد أكبر بحلول 2030 يحتاج إلى خطة طويلة الأمد تجمع بين الاقتصاد والتنظيم في تناغم مثالي. رمضان 2025 لم يكن مجرد موسم ديني، بل شهادة على قدرة السعودية على تحويل التحديات إلى فرص، بينما تُرسم ملامح مستقبل يجمع بين الروحانية والازدهار.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال