الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في أول يوم دراسي له في تخصص السياحة، رفع الطالب يده، وسأل بسذاجة صادقة: “دكتور، هل السياحة تدرّس في كليات الاقتصاد أم كليات الأداب؟” ابتسم المُعلم دون أن يلتفت، ثم كتب على السبورة ثلاث كلمات: اقتصاد، ثقافة، سياسة. ساد صمتٌ خفيف، ثم ابتسم الدكتور وأغلق غطاء قلمه ببطء وكأنه يفكّر في شيء آخر تمامًا، ثم قال: هكذا مرّت السياحة من هنا.. مرّت في كل الزوايا، ولم يسألها أحد من أنتِ.
لم يكن سؤال الطالب ساذجًا كما بدا، ولم تكن إجابة إجابة المُعلم مجرّد جملة شاعرية ينقضي بها الفصل الدراسي، لكن لعّل هذا هو جوهر الإشكال: مشكلتنا لم تكن يومًا في أننا لا نملك إجابة واحدة، ولكن مشكلتنا أننا لم نتفق على السؤال نفسه. فهل هي قطاع اقتصادي نقيسه بالإيرادات؟ أم أداة ثقافية نُحملّها هويتنا؟ أم خطاب سياسي ينتقل للعالم بلغة الصورة والمشاركة؟ في رأيي، أن كل الإجابات صحيحة.. وكلها ناقصة.
قد تبدو الإجابة سهلة -وأنا لا أقول هنا أنها صعبة- لكن أظن أن سهولتها الزائدة تخفي شيئًا مقلقًا. خذ مثلًا ذلك التعريف الذي يظهر في السطور الأولى من الكتب الدراسية: “الأنشطة التي يقوم بها الأفراد خارج بيئتهم المعتادة، لأغراض الترفيه أو العمل أو غيرها.” تشعر أن هذا تعريف منضبط، أكاديمي، يطمئنك أن الأمور بخير، إلى أن تتخيله مطبوعًا على طاولة تناقش قرارات استثمارية، وقتها فقط، تدرك أن هذا تعريف لا يمكن أن يعمل على أي شيء.
غالبًا حين نفكّر في السياحة، يتبادر إلى أذهاننا الفندق، المطار، وجدول الأنشطة. وأصدقك القول، هذه ليست المشكلة. المشكلة الحقيقة تبدأ حين يتوقّف خيالنا عن هذه الصورة، حين نعتقد أن السياحة منتج استهلاكي، يقدّم كخدمة، ويقاس برضا الزائر وينتهي عند المغادرة.
لكن الواقع، أن السياحة هي إرادة حكومية استراتيجية متعددة الأوجه، تُمارس عبر أدوات اقتصادية، ثقافية، وسياسية. ففي أساسها هي ليست نشاطًا منفصلًا، إنما رؤية تتبناها الدولة لإعادة تعريف ذاتها من الداخل وتمتد إلى الخارج. ولهذا يجب فهم السياحة باعتبارها “منظومة تداخلية – Cross-Sectoral System” أي منظومة تعمل عبر القطاعات الحيوية، وتؤثر فيها في الوقت نفسه.
ولهذا، فإن النظر إلى السياحة، هي نظرة لخطاب ثلاثي الأبعاد: لغة ثقافية تُصاغ من الهوية، لغة اقتصادية تبنى على الاستثمار والعوائد، ولغة سياسية تُترجم إلى رمزيّة ومكانة. خذ مثالًا واضحًا لهذا الأمر، كانت كولومبيا في التسعينات نموذجًا للدولة المنهارة في الوعي العالمي، ما بين المخدرات، العصابات، القتل العشوائي وغيرها. في عام 2008، أطلقت كولومبيا حملتها “الخطر الوحيد أنك تريد البقاء – The Only Risk is Wanting to Stay“، وهو شعار ترويجي رائع، يحمل تحولًا سياسيًا وثقافيًا هائلًا.
وما كان لافتًا، هو التقارير التي ظهرت عن هذه الحملة باعتبارها سلاح ناعم أعاد رسم الدولة وتوازنها، فقد وصفت “Travel Weekly” أن التلاعب بالشعار من وجهة نظر تسويقية، قد يكون مخاطرة، لكن هناك حاجة إلى الصدمة لكي يرى الناس التقدم الذي أحرزته كولومبيا. فيما وصفت “Vege” في مقال لكاتبته التي زارت البلاد، أنها ترقّى إلى مستوى شعارها السياحي.
هذه الحملة في واقعها، تجنبت أن يكون تعريفها في إطار تصدير الخدمات، إنما أختارت أن تعرّف بالوطن وآماله. فحينما تنظر إلى قرار كولومبيا، تجده يريد إعادة إنتاج رأس المال، سواءً رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي، رأس المال السياسي. فكل ما لا يُسهم في توليد هذه الجزئيات لا يمكن أن يُعد استثمارًا سياديًا ناجحًا يحقق القيمة الفعلية من هذا القطاع.
أما الختام، فالسياحة هي نتيجة سؤال، كيف ترى الدولة نفسها؟ وكيف تريد أن تُرى؟ من لا يملك إجابة واضحة فستبقى مشاريعه تدور حول الزائر لا حول الوطن. وإذا كنت تتساءل ماذا حدث بين المُعلم وطالبه، ففي نهاية الفصل الدراسي، وفي آخر محاضرة في العام تحديدًا، عاد الطالب إلى سؤاله الأول وقال: “دكتور، بعد كل ما قيل، هل نستطيع الآن نضع تعريفًا للسياحة؟” أجابه المعلم وهو يغلق دفتر المحاضرات: “إذا استطعت أن تضع تعريفًا.. فأنت لم تفهمها بعد.”
الرسالة هنا: السياحة لن تكون إلا أداة تُعرّف الدولة بها نفسها للعالم، وكل تجربة سياحية لا تنتج رأس مال اقتصادي، ثقافي، أو سياسي هي فرصة ضائعة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال