الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1442 - 26 يناير 2021 - 06 الدلو 1399

لماذا تظهر شائعات سعر صرف العملات؟

مقالات مال

الخطيب مهمة رئيس تنفيذي لشركة استثمارية – دبي [email protected] بعد الحرب العالمية الثانية، اتبعت معظم دول العالم ما جرى الاتفاق عليه في اتفاقية بريتون وودز في موضوع سعر صرف العملات. نص الاتفاق على أن يتم إصدار عملات من كل دولة بناء للذهب الذي تملكه بحيث يكون الذهب ضمانة العملة وبذلك كانت أسعار العملات تتحرك في نطاق ضيق لا يشبه ما نراه اليوم من تقلبات شديدة. استمر العمل بتلك الالية حتى العام 1971 عندما أعلن الرئيس نيكسون من طرف واحد إلغاء التزام الولايات المتحدة بذلك الاتفاق وانتهى استخدام الذهب كضامن للعملة وأصبحت كل دولة بإمكانها طباعة الحجم الذي تريده من العملة مع تحملها مسؤولية ضمان عملتها. يؤثر سعر صرف العملة على الاقتصاد المحلي بما يتعلق بالتجارة الخارجية من استيراد وتصدير. في داخل البلد لا يؤثر سعر الصرف لأن الناس تقبض رواتبها أو تحصل ايراداتها بالعملة المحلية وتدفع مصاريفها بها أيضا. أما في حالة الاستيراد والتصدير فإن سعر الصرف مع البلد المقابل يؤثر لأن العملات الصعبة بحاجة إلى تحويل للعملة المحلية قبل استخدامها. ومع وجود بنود تجارية تتضمن الدفع المستقبلي فإن سعر الصرف يتغير وينعكس على الأرباح والخسائر. من هنا فإن حجم التبادل التجاري مع الدول الأخرى هو ما يحدد التأثير الأكبر للعملات الأخرى على الاقتصاد المحلي. عندما تستخدم أي دولة عملتها المحلية في تبادلاتها الخارجية مع الدول الأخرى أكثر من عملات تلك الدول فإن تغير سعر صرف عملتها يبقى تأثيره محدود كسعر صرف كما في حالة الولايات المتحدة مثلا التي يغلب الدولار على تعاملاتها سواء في التصدير أو الاستيراد. لذلك فإن تغير سعر الصرف من هذه الناحية أهميته ليست كبيرة. أما من ناحية قدرتها التنافسية فإن سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى قد يجعل البضاعة الأميركية أرخص أو أغلى بناء لسعر الصرف وهذا ما يجعل دول كثيرة من التي تعتمد على تصدير بضاعتها بشكل أساسي إلى محاولة تخفيض قيمة عملتها مقابل العملات الأخرى مما يجعل بضائعها أرخص للمستورد لزيادة الطلب عليها. في حالات الدول التي لها ارتباطات تجارية كبيرة مع دولة معينة، اختار الكثير منها ربط سعر الصرف مع عملة تلك الدولة بحيث يكون سعر الصرف ثابتا باستمرار. يساعد هذا الإجراء في توازن دخل الدولة والعمليات المالية داخل الدولة ويؤمن الاستقرار المالي بعيدا عن تقلبات أسعار الصرف. في المقابل، فإن البنك المركزي للدولة التي تثبت سعر صرفها يحتاج إلى التدخل في السوق باستمرار للحفاظ على سعر الصرف لأن السعر يخضع للعرض والطلب حتى لو كانت النية تثبيته. لذلك يقوم البنك المركزي بضخ أو سحب العملة من السوق لإعادة التوازن عند سعر الصرف المستهدف. بالإضافة إلى ذلك فإن البنك المركزي عليه أن يكون جاهزا بمراكمة كمية من الاحتياطي الأجنبي ليتمكن من الدفاع عن العملة في حال تعرضت إلى الضغط من الخارج وخصوصا خلال الظروف الاقتصادية الصعبة. أورد هنا مثالا لما حصل خلال الأزمة المالية الاسيوية عام 1997 عندما تعرضت العملة التايلندية للضغط ولم يتمكن البنك المركزي من الدفاع عن سعر الصرف فاضطر لتعويم العملة أي ترك سعر الصرف ليتم تحديده في السوق فانهارت العملة ومعها أسعار الأصول والبورصة وامتدت الأزمة إلى الدول المجاورة في كوريا وأندونيسا وماليزيا وغيرها التي أيضا لم تملك احتياطيات أجنبية كافية. في ذلك الوقت تدخل صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة عن طريق منح قروض لتلك الدول فاستعادت وضعها تدريجيا مع الأخذ في الاعتبار وجود قاعدة صناعية قوية ساعدت في استعادة النمو الاقتصادي. في حالة الريال السعودي الذي كثرت حوله الشائعات مؤخرا، وهي شائعات فقط لأن الجهات الرسمية أكدت عدة مرات أنها لا تنوي تغيير سعر الصرف مقابل الدولار، فإن الربط مع الدولار الأمريكي منطقي وطبيعي منذ أن حصل وذلك لعدة أسباب أهمها على الإطلاق أن السلعة الأساسية التي تصدرها المملكة وهي النفط تسعر في الأسواق العالمية بالدولار. لذلك فإنه مهما تغير سعر صرف الدولار تبقى إيرادات النفط غير متأثرة به لأن التحويل إلى العملية المحلية يكون بسعر ثابت. مع وجود الاحتياطيات المتراكمة لدى مؤسسة النقد فإنها قامت بالمحافظة على سعر الصرف بسهولة ولكن مع تراجع أسعار النفط والاضطرار إلى السحب من الاحتياطي الأجنبي فإن التكهنات بدأت تظهر بالتخلي عن الربط. إن تحفيض قيمة الريال مقابل الدولار سيزيد من إيرادات النفط بمعنى أن ما تحصله الدولة من بيع النفط من دولارات سينتج ريالات أكثر عند التحويل بسعر أعلى. لكن في المقابل فإن ذلك سيزيد من كلفة الاستيراد بعملية عكسية للتحويل مما سيضغط على الأصول والقدرة الشرائية للمواطنين ويكون كمن انخفض دخله فجأة وأصبح عرضة لتقلبات أسعار الصرف. بالمعنى الاقتصادي فإن التصدير يكون بعملة أجنبية والاستيراد أيضا وبدون دخول أموال أجنبية كافية للبلد عن طريق الاستثمارات الخارجية فإن الأمر يصبح شديد الخطورة. في أسواق النقد العالمي هناك مضاربين كبار يجنون أرباح خيالية عبر المضاربة في العملات وهم يعتمدون في الكثير من الأحيان على بث الإشاعات مما يجعل الناس العاديين يتحركون لتحويل العملة لحماية مدخراتهم واذا انتشرت الإشاعة بشكل أكبر قد يصل الأمر لتغيير سعر الصرف فيجني المضاربين أرباحهم على حساب ضرب الاقتصاد الوطني. هذه الأمور ليست نظرية بل حدثت مرات كثيرة في السابق في عدة دول وفي أحيان كثيرة بتواطؤ داخلي ساعد على بث الشائعات. مع صدور تأكيد الجهات الرسمية في السعودية بعدم التفكير بتغيير سعر الصرف للريال فإن استمرار الشائعات تصبح أهدافه واضحة. ومن المهم جدا التأكيد بأن المساعدة في نشر تلك الشائعات والهلع المصاحب لها قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. لذلك يجب توخي كل الحذر في التعامل مع موضوع العملة الوطنية في كل الأوقات.

مقالات مال [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو