الأحد, 6 أبريل 2025

الصين تبني أكبر معقل للرأسمالية في العالم

تشهد الصين في هذه الآونة ثورة من نوع جديد بزعامة المستهلكين، وهي آخذة بطمس معالم الحقبة الماركسية التي عاشتها البلاد في الماضي، كالثورة الثقافية والالتزام بتوصيات ماو تسي تونغ والتضحيات التي بذلها 100 مليون شخص، في سبيل تحويل أقدم حضارة في العالم إلى مجتمع عمالي شيوعي.

لقد كان المستهلك مستضعفا في زمن الشيوعية، وظل مهملا في خضم سعي النخبة الحاكمة إلى اختصار قرنين من التنمية الاقتصادية في عقود قليلة. لكن في ضوء تعثر اقتصاد أميركا وأوروبا الذي يهدد بدوره ازدهار التوجه الصيني نحو التصدير، يحاول الاقتصاد الصيني الآن متأخرا أن يعدل مساره لخدمة الشعب.

اقرأ المزيد

وليس ثمة وسيلة أفضل للقيام بهذا التغيير، من إتمام بناء (مركز نيو شنتري العالمي- New Century Global Centre) في مدينة تشنغدو بالصين، الذي صمم لترويج النمط الاستهلاكي، والإسهام بدوره في دعم عملة اليوان.

وهو مجمع يضم مراكز تسوق وفنادق وقاعات سينما وحديقة مائية ومكاتب، بمساحة هائلة تعادل 3 أضعاف مساحة البنتاغون، إذ تبلغ المساحة الأرضية لهذا البناء العملاق 19 مليون قدم مربع. ومن الملفت للنظر أن هذا المجمع التجاري أقيم بمدينة شهدت اختراع النقود الورقية قبل ألف عام.

لم يسمع الكثيرون بمركز نيو سينتشري العالمي، لاسيما في الغرب. وإن استخدمت محرك البحث غوغل للتعرف أكثر إلى هذه الأعجوبة الجديدة، فلن تجد عنها سوى مقتطفات متفرقة في الصحافة الصفراء، كما لن تجد لها ذكرا في صحيفة نيويورك تايمز أو واشنطن بوست، أو حتى في محطات الإذاعة الوطنية، وكأن الجميع تواطأ على تجاهلها.

وبما أننا نتحدث عن الصين، يستحيل بالطبع أن يسلم هذا البناء المهول من شر المركزية في التخطيط، إذ إن الحزب الشيوعي يتتبع تحركات أصحاب المليارات الجدد في الصين خطوة بخطوة. لكن دعونا لا ننسى أنه مثلما نتوقع للشعب الصيني أن يدفع الثمن لقاء سوء الاستثمار المتسبب في فقاعة العقارات التي تجتاح البلاد، فإن بمقدوره أيضا أن يضحي بجزء من ثروته في سبيل إقامة أضخم مركز تجاري في العالم.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لشيء أن يلغي القيمة الفعلية للمشروع. كما أن هذه المرافق التي تشيد من عمارات سكنية ومراكز تسوق في الصين، ستواصل توفير قيمة اقتصادية للبلاد حتى إن أفلس مستثمروها، أو تخلفوا عن دفع المستحقات أو اختفوا فجأة.

ما أثر هذا على مستقبل الصين؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ فعاجلا أم آجلا، سيقرر الحزب الحاكم تغيير اتجاهه، ليس من باب الحرية في الاختيار بل بحكم الضرورة. والتحول إلى الديمقراطية لن يكون المصدر الرئيس للفوائد المرتقبة، وإنما التحول بعيدا عن بيروقراطية التخطيط المركزي باتجاه اقتصاد سوق أكثر انفتاحا. ومن المتوقع أن تغدو المطالبات بالديمقراطية والحريات المدنية والحرية السياسية للطبقة المتوسطة المتزايدة صعبة التجاهل غدا.

إن كل بلد في آسيا استضاف الفارين من نظام ماو، شاهد على الكفاءات البشرية لتجار الصين ومصنعيها ومستثمريها، ممن أبقوا جذوة الحرية الاقتصادية متقدة في داخلهم خلال سنوات الصين الحالكة. وفيما تعود مهاراتهم ورؤوس أموالهم إلى موطنها، فاتحة الطريق أمام مليار إنسان تحرر من سطوة الاشتراكية وعقد العزم على انتشال ذاته من وحل الفقر، ستحصل الصين على فرصتها لبناء مستقبل تختاره بنفسها.

ذات صلة



المقالات