السبت, 17 أبريل 2021

لماذا تعتبر التنبؤات الاقتصادية ضرورية؟

لطالما تنافس السياسيون والاقتصاديون على الاهتمام بالتنبؤات. أثناء النقاش الجاري حول استفتاء الاتحاد الأوروبي، أدهشني أحد المستشارين الماليين الذي سخر من توقعات الخبراء. هذا الهجوم على وجهات النظر يعكس تغيراً مقلقاً في أسلوب الحوار. من الإنصاف القول أن التوقعات الاقتصادية كثيراً ما تخطئ، فمن الصعب التنبؤ بالركود على وجه الخصوص. عندما تؤكد الحملة المطالبة بالرحيل أن بريطانيا ستزدهر بخروجها من الاتحاد الأوربي فإن هذا يعد توقعاً. ربما لا تصدق هذه التوقعات، لكن ذلك يجعلها فقط غير دقيقة حيث يصعب تجاهل التفاصيل.
لاحظ الفيلسوف كارل بوبر أن التنبؤات قد تكون مضللة. فعبارة “سوف تهطل الأمطار في لندن مستقبلاً” صحيحة 100% لكنها لا تحدد الوقت المناسب لحمل المظلة، بينما تعتبر عبارة “ستمطر غداً الساعة 10:30” أكثر دقة. ورغم أن التوقعات قد تقع وقد لا تقع، إلا أنه يمكن فحص الافتراضات التي قامت عليها. بما أن التوقعات غير دقيقة، فإنه ينبغي ألا نقيم وزناً كبيراً لصحتها. هذا ينسحب أيضاً على حملة الرحيل التي تجازف بمستقبل البلاد من خلال توقعاتها بأن يؤدي تغير البيئة السياسية والتجارية لبريطانيا إلى تحسين الرؤية المستقبلية. لقبول تلك المجازفة، نحتاج إلى تأكيد تلك التوقعات من هيئات دولية كصندوق النقد الدولي أو منظمة التعاون والتنمية، وإلا سيكون العكس هو الصحيح.
يتم استخدام التوقعات في مجال الاستثمار، فعندما يقترح المستشار المالي على العميل أن يختار مدير صندوق معين، فإنه بذلك يتوقع أن يكون هذا المدير قادراً على التفوق على السوق مستقبلاً. وعندما ينصح العميل بخصوص توزيع أصوله أو إدارة أمواله، فإنه بذلك يقدم له توقعات ضمنية حول كم ينبغي له أن يستثمر في السندات والأوراق المالية والأسهم. هذا يتطلب بناء افتراضات (توقعات) بشأن التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.
كما تُستَخدم التوقعات أيضاً في السياسات الاقتصادية، فعندما يضع وزير المالية ميزانية الحكومة للعام المقبل فإن عليه أن يتوقع النظرة المستقبلية للاقتصاد (فمثلاً: ضعف الاقتصاد سيخفض العوائد الضريبة). وعندما يحدد البنك المركزي مستوى أسعار الفائدة، فهو يعرف بأن الأمر سيستغرق 18-24 شهراً قبل أن يظهر الأثر على الاقتصاد مما يتطلب التنبؤ بمستقبل الاقتصاد خلال نفس الفترة. لا يمكن التيقن بطبيعة الحال، وهذا ما حدا ببنك إنجلترا المركزي إلى استخدام أسلوب التوقع ذو الشكل المروحي الذي يوفر مجموعة من النتائج المحتملة.
هناك حالتان يمكن أن تتسببا في جعل هذه التنبؤات خاطئة، الحالة الأولى: أن لا يعمل النموذج الاقتصادي كما كان متوقعاً. على سبيل المثال، قد لا تشجع أسعار الفائدة المنخفضة على المزيد من الإنفاق الاستهلاكي. في هذه الحالة، سيغير البنك المركزي من طريقة تفكيره حول تأثير تغيير أسعار الفائدة في المستقبل. الحالة الثانية: يمكن أن تتسبب بعض الأحداث الخارجية في إرباك التوقعات، كانهيار أسعار النفط مثلاً. والنتيجة هي أن أي توقعات حول مستقبل بريطانيا ستخضع للخطر الثاني. إن طريقة بناء التوقعات التي يقوم بها صندوق النقد الدولي تقوم على التنبؤ بالأثر الذي سيلحق بالاقتصاد البريطاني في حالة الانسحاب، وهم بذلك يركزون على عاملين اثنين: طول الفترة التي تحتاجها المفاوضات التجارية، وحالة عدم التيقن المترتبة على ذلك.
إن من شأن قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أن يُطلِق مفاوضات بين بريطانيا وبقية أعضاء الاتحاد حول تفاصيل العلاقة المستقبلية. كما ستضطر بريطانيا إلى إعادة التفاوض التجاري مع 60 دولة خارج الاتحاد الأوروبي يتم التعامل معها حالياً في إطار أنظمة الاتحاد. هذه المفاوضات يمكن أن تستمر لسنوات وستخلق عوائق تجارية ومالية مما سيزيد من حالة عدم التيقن وبالتالي إضعاف الاستهلاك والاستثمار وانخفاض الإنتاج والدخل واضطراب الأسواق المالية، كما تتفق في ذلك معظم التقديرات الرسمية.
تطرق صندوق النقد الدولي إلى التأثير المحتمل لحالة عدم التيقن على النمو البريطاني خلال مرحلة ما بعد الانسحاب بتقديمه احتمالين هما: السيناريو المحدود والسيناريو المعاكس، وكلاهما يتوقعان أن يقود خروج بريطانيا إلى تأثير سلبي كبير على الإنتاج والتوظف. كلما طالت حالة عدم التيقن وانخفضت الفوائد المرجوة من المفاوضات التجارية لبريطانيا، كلما زادت التكاليف في الأجلين القصير والمتوسط، إضافة إلى التأثير السلبي على الاستثمار. ليس هناك بلورة سحرية تؤكد لنا وجود تأثير لعدم التيقن، وإنما تم استنتاج ذلك بناءً على افتراض منطقي. في هذه الحالة، يمكن النقاش حول “مدى” التأثير وليس عن “وجود” التأثير.
هناك حاجة إلى استخدام التوقعات في كل حين، مع الأخذ في الاعتبار التوقعات المفصلة للهيئات الدولية كصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية فهي على الأقل تعطينا معياراً يمكن من خلاله التحقق من الفرضيات.
مترجم عن “الإيكونوميست”

اقرأ أيضا

[email protected]

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد