الجمعة, 7 مايو 2021

الأسباب الخمسة لتباطؤ الاقتصاد .. تشخيص متعدد لمرض اقتصادي واحد


[email protected]

اقرأ أيضا

(مترجم عن مقال للبروفيسور في جامعة هارفارد “نيكولاس جريجوري” في النيويورك تايمز)

الاقتصاديون مثل الأطباء، قد يواجهون مرضى لديهم مشكلة ظاهرة ولكن ليس لها تشخيص واضح. هذا تحديداً ما نواجهه الآن. ليس هناك طريقة بسيطة لقياس الازدهار الاقتصادي، لكن إن كان لابد من اختيار مقياس إحصائي فسيكون الناتج المحلي الإجمالي. يقيس الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إجمالي الدخل المتولد في الاقتصاد بعد تعديل قيمته ليعكس إجمالي مستويات الأسعار. إليكم الحقيقة المحزنة: خلال العقد الماضي، بلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للشخص الواحد 0.44% سنوياً مقارنة بالمعدل التاريخي البالغ 2%. عندما يكون المعدل 2% فإن الدخل يتضاعف كل 35 عاماً، بينما عند معدل 0.44% يحتاج الدخل إلى 160 عاماً ليتضاعف.
ربما يمكن إلقاء اللوم في تحقيق معدلات النمو الضعيفة خلال السنوات العشر على الركود الكبير الذي حصل في 2008م، وهو بالتأكيد ركود عميق، إلا أن الركود الاقتصادي عام 1982م كان عميقاً أيضاً. بالمقارنة بين فترتي الركود، بلغ معدل البطالة ذروته بنسبة 10.8% عام 1982م وذلك مقابل 10% التي مثلت ذروة معدل البطالة عام 2008م. لكن بحلول الربع الأول من عام 1989م كان معدل النمو قد ارتفع إلى 2.1% خلال عشر سنوات. الفرق: أن ركود عام 1982م أعقبه انتعاش اقتصادي قوي، بينما شهدت الفترة التي تلت ركود 2009م نمواً ضعيفاً.
إذاً، ما الذي يعاني منه الاقتصاد؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين، ولكن جرى تداول العديد من الفرضيات، وفيما يلي خمسٌ منها:
1. وهم الإحصاءات: لا يرى اقتصاديو وادي السيلكون أن هناك مشكلة. في رأيهم، عندما تتحسن الجودة وتنتشر منتجات جديدة، فإن المسئولين عن حساب الناتج المحلي الإجمالي قد يقللون من أهمية كيف أن الحياة أصبحت أفضل. الآن، يمكن للهاتف الذكي أن يحل محل الكاميرا ونظام تحديد المواقع وجهاز الموسيقى. وفقاً لهذا، فإن المشكلة ليست في الاقتصاد بل في الإحصاءات. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن البلاد تسير في المسار الخاطئ، وبأن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. لم يأتِ هذا الاستياء من دراسة إحصاءات الدخل القومي، وإنما أتى من التجارب اليومية.
2. آثار الأزمة: تسبب في ركود 2008م أزمةٌ مالية هي الأسوأ منذ الكساد العظيم في الثلاثينيات. ربما يكون هناك شيء متعلق بالأزمات المالية يجعل التعافي من الركود صعباً. خشي كثيرون خلال الأزمة الأخيرة أن يتبعها كساد عظيم آخر. ربما تفادينا الكارثة لكن القلق ما زال قائماً، مما تسبب في عزوف الشركات عن الاقتراض لتمويل استثماراتها وعزوف البنوك عن إقراضها. الخبر السار هو أن آثار الأزمة قد بدأت في الانحسار مؤخراً، لكننا بحاجة إلى الصبر.
3. الركود طويل المدى: يرى المستشار السابق لأوباما “لورانس سومرز” أن المشكلة تسبق الأزمة المالية الأخيرة، حيث أدى تراجع أسعار الفائدة طويلة المدى إلى انخفاض الطلب على رأس المال لتمويل المشاريع الاستثمارية. كما نوه لأسباب أخرى مثل: انخفاض نمو السكان، وانخفاض أسعار السلع الرأسمالية، وطبيعة الابتكارات الحديثة مثل استبدال المتاجر التقليدية بمواقع البيع الإلكترونية. والنتيجة هي الركود طويل المدى والذي يعكس عدم قدرة الاقتصاد على توليد الطلب الكافي للحفاظ على التوظيف الكامل.
4. تباطؤ الابتكار: يعتقد روبرت غوردون، مؤلف كتاب “صعود وهبوط النمو الاقتصادي الأمريكي”، أن تسارع أنشطة الابتكار قد بدأ في التراجع، فقد قدمت الأجيال السابقة الكهرباء والسباكة الداخلية ومحرك الاحتراق الداخلي، أما ابتكارات هذا الجيل مثل أجهزة الهاتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي فليست بذلك القدر الذي يغير الحياة. هذه الفرضية هي الأكثر تشاؤماً، إذا كان غوردون على حق فليس لنا إلا أن نتعود على تباطؤ النمو.
5. السياسات الخاطئة: عندما تولى أوباما منصبه عام 2009م، كان الاقتصاد في خضم الركود. اعتمد مستشاروه على النظرية الكينزية القياسية عندما اقترحوا زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي لإنعاش الاقتصاد، وبعد الانتعاش دعمت الإدارة زيادة الضرائب لتقليص العجز في الميزانية. ومع ذلك، كان هناك ما يدعو للشك حينها، ففي عام 2002م خلصت دراسة “بلانشارد و بيروتي” عن السياسة المالية الأمريكية إلى أن زيادة الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي يؤثران سلباً وبقوة على الإنفاق الاستثماري الخاص، مع صعوبة التوفيق بين هذه النتيجة والنظرية الكينزية. واتساقاً مع ذلك، وجدت دراسة حديثة لـ “ألبيرتو و سيلفيا” أن الحوافز المالية القائمة على التخفيضات الضريبية تزيد النمو بشكل أكبر من الحوافز التي تقوم على زيادة الإنفاق.
لذلك، ها نحن نواجه تشخيص متعدد لمرض واحد. مع الأسف، ليس لدي فكرة عن أي واحد من هذه الفرضيات هو الصحيح، لكن ربما يشمل التشخيص أكثر من فرضية.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد