السبت, 15 مايو 2021

لماذا يعتبر الدولار القوي مضراً بالاقتصاد العالمي؟

[email protected]

اقرأ أيضا

في الأسابيع الثلاثة اللاحقة لفوز دونالد ترامب بالرئاسة، شهد الدولار الأمريكي واحداً من أقوى الارتفاعات في قيمته مقابل سلة من العملات المناظرة في البلدان الغنية، حيث ارتفع بنسبة 40% من أدنى مستوياته التي حققها في عام 2011م، وهو ما يعني قوة الدولار النسبية مقارنة بعملات الأسواق الناشئة. في الصين، انخفض اليوان إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ العام 2008م فيما أبدى المسؤولون حرصهم تجاه تشديد القيود على عمليات استحواذ الشركات المحلية على شركات أجنبية للحد من الضغوط على العملة. في الهند، واصلت العملة المحلية هبوطها إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار. كما انخفضت العملات الآسيوية الأخرى أمام الدولار إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزمة عام 1997-1998م.

يكتسب الدولار مزيداً من القوة منذ سنوات، إلا أن موجة الصعود الأخيرة تأتي في إطار تغير السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة وترقب المستثمرين تنفيذ خطط ترامب الخاصة بتخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي على إعادة تأهيل البنى التحتية. إن زيادة الإنفاق من شأنه أن يقود الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع سعر الفائدة بمعدل أسرع من مستوى التضخم، في ظل ارتفاع العائد على السندات الأمريكية لعشر سنوات من 1.7% إلى 2.3% الأمر الذي يؤدي إلى جذب التدفقات الرأسمالية.
يبدو أن أصداء نمو أقوى اقتصادات العالم أمر مرحب به. هناك سابقة يتم الاستشهاد بها على نطاق واسع وهي الفترة الرئاسية الأولى لرونالد ريغان عندما اتسع عجز الموازنة وارتفعت أسعار الفائدة أثناء ارتفاع الدولار، مما تسبب في حدوث مشاكل خارج الولايات المتحدة، ومقارنة بتلك الفترة تبدو الفترة الحالية أكثر تعقيداً. على الرغم من أن صغر حصة الاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد الدولي، إلا أن حجم أسواق المال والائتمان العالمية تضخم، وأصبح الدولار عملة محورية. هذا ما يجعل من ارتفاع الدولار أكثر خطورة على الولايات المتحدة والعالم.

شهد نفوذ الولايات المتحدة باعتبارها قوة تجارية تراجعاً مستمراً: فقد انخفض عدد البلدان التي تعد أكبر سوق للصادرات الأمريكية من 44 بلداً في عام 1994م إلى 32 بلداً بعد عقدين من الزمن، إلا أن الدولار لا يزال متفوقاً باعتباره وسيلة للتبادل ومخزن للقيمة دون منازع. بعض جوانب قوة الدولار واضحة للعيان، حسب أحد التقديرات في عام 2014م: فإن الولايات المتحدة والبلدان التي تتحرك عملاتها بالتوازي مع الدولار يشكلون 60% من حجم سكان العالم وحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي على المستوى الدولي.

هناك عناصر أخرى أقل وضوحاً: لقد ارتفع حجم التمويل بالدولار الذي يجري خارج حدود الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، كما أن نمو الأسواق الناشئة جعلها أكثر حاجة للتمويل وبالتالي أكثر طلباً للدولار. منذ الأزمة المالية العالمية، أدى انخفاض سعر الفائدة في الولايات المتحدة إلى بحث صناديق التقاعد عن عوائد أفضل في مكان آخر، فتحولوا لشراء السندات المقومة بالدولار في أماكن غير متوقعة كموزمبيق وزامبيا، إضافة إلى شراء السندات الصادرة عن الشركات التي تعمل في الأسواق الناشئة. لقد كان مُصْدِرُو هذه السندات سعيدون جداً لاقتراضهم بالدولار بأسعار أرخص من سعر الدولار السائد محلياً.

 ووفقاً لبنك التسويات الدولية، بلغ هذا النوع من الديون المقومة بالدولار خلال العام الماضي ما يقرب من 10 ترليون دولار وهو ما يعادل ثلث الديون في الأسواق الناشئة.

عندما يرتفع الدولار ترتفع معه تكلفة خدمة تلك الديون. لكن الألم الناجم عن قوة الدولار يمتد إلى ما وراء التأثير المباشر على المقترضين بالدولار، ذلك لأن الاقتراض الخارجي الرخيص يقود في العديد من الحالات إلى زيادة المعروض من الائتمان المحلي. إضافة لذلك، تؤدي تدفقات رؤوس الأموال إلى رفع أسعار الأصول المحلية وتشجيع المزيد من الاقتراض. ليس كل دولار تقترضه شركات الأسواق الناشئة يتم استثماره، بعض المال ينتهي به المطاف إلى الحسابات المصرفية (حيث يمكن إقراضها مرة أخرى) أو تمويل شركات أخرى.

يمكن للدولار القوي أن يعكس هذه الدورة، فكلما ارتفع الدولار ارتفعت تكاليف خدمة الديون. عندما يكون هناك هجرة لرؤوس الأموال، تهبط أسعار الأصول. والنتيجة هي أن شروط الائتمان في العديد من الأماكن خارج الولايات المتحدة أصبحت أكثر تقييداً فيما يتعلق بالثروات المقومة بالدولار. وليس من قبيل المصادفة أن بعض أكبر الخاسرين من ارتفاع الدولار مثل البرازيل وشيلي وتركيا يعانون من ارتفاع حجم الديون المقومة بالدولار.

هناك مخاطر كامنة من ارتفاع الدولار بالنسبة للولايات المتحدة أيضاً. فارتفاع العملة يتسبب في خفض الصادرات وارتفاع الواردات مما يؤدي إلى اتساع العجز التجاري الأمريكي. في عهد ريغان، أدى اتساع العجز التجاري إلى إثارة موضوع سياسة الحماية الاقتصادية. هذه المرة، تعاني الولايات المتحدة من عجز كبير يراه ترامب دليلاً على تلاعب بعض الدول في أنظمة التجارة الدولية. تزايد العجز التجاري يزيد من احتمالات قيام ترامب بتنفيذ تهديداته المتعلقة بفرض ضرائب جمركية مرتفعة على الواردات من الصين والمكسيك وذلك لدفع الميزان التجاري مع هذه الدول نحو التوازن. إذا ما استسلم ترامب لغرائزه المؤيدة للحمائية فإن العواقب ستكون كارثية على الجميع.

على كل حال، يعتمد الكثير على وجهة الدولار. يشعر العديد من المستثمرين بالتفاؤل، وينجذبون إلى الدولار أكثر من أي عملة أخرى. لدى الفيدرالي الأمريكي سجل حافل بالتراجع عن رفع سعر الفائدة عندما يكون هناك مشكلة في الأسواق الناشئة. ما زالت العديد من العملات تتحرك بعيداً عن قيمها الأساسية لفترة طويلة حتى الآن. كذلك، ما زال اليوان واليورو – العملتان المنافستان للدولار – تعانيان من مشكلة عميقة. قد يجد الاحتياطي الفيدرالي في الاجتماع القادم لتحديد سعر الفائدة صعوبة في تجنب تشديد الإجراءات الاقتصادية أكثر من ذي قبل، خصوصاً أن الاقتصاد الأمريكي قد بدأ في إظهار بعض التعافي.

هل يؤدي بقاء الدولار قوياً إلى تخفيف حدة الضغوط الحمائية عبر عمل دولي منسق؟ هناك حديث يدور حول اتفاق جديد منافس لاتفاق بلازا الذي اتفقت فيه الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية على خفض الدولار، إلا أن هذا الحديث يبدو في غير محله. فاليابان ومنطقة اليورو يحاربون التضخم المنخفض وليسوا حريصين كثيراً على قوة العملات، ناهيك عن تشديد السياسة النقدية الضرورية لتأمين اقتصاداتها.

لقد ارتفعت الأسواق المالية في الولايات المتحدة اعتماداً على نمو قوي محتمل، فيما لا زال الاقتصاد العالمي يعاني من الضعف، وسيشهد الدولار الأمريكي مزيداً من القوة.
 

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد