الأربعاء 12 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 - 06 العقرب 1399

العملة الخليجية .. والفرص من قلب الأزمات

غدير الجبيلة

 لاشك أن التحديات التي تحيط بالمنطقة داخلياً وخارجياً منذ تدهور أسعار النفط في الربع الأخير من 2014م، وانخفاض الطلب العالمي عليه، واعتماد المملكة مؤخراً سياسة الانكماش المالي، فضلاً عن التغييرات السياسية الإقليمية والدولية المفاجئة والمتوالية على ساحة الاقتصاد العالمي، أثرت اقتصادياً وعسكرياً على المنطقة الخليجية والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص باعتبارها أقوى دول المنطقة، وخلقت حالة من الإحباط والنظرة التشاؤمية نحو المستقبل.

لكن هذا من جهة اخرى يعد فرصة قوية لا محالة لدول مجلس التعاون الخليجي أن تقلب الموازين في أكثر من قضية حول العالم، إذا أسرعت في تنفيذ الاستراتيجيات والاتفاقيات المتعلقة بمسيرة التكامل الاقتصادي بالشكل السليم وخاصة الاتحاد النقدي لما يمثله من خلق سوق اقتصادية واحدة بدلاً من الوضع الحالي، حيث إن إنشاء اتحاد نقدي بين دول الخليج يعني قيام واحدة من أهم التكتلات الاقتصادية على مستوى العالم، وتعزيز لدورالاقتصاد الخليجي وتنويعه من خلال جاذبية سوق العملة الموحدة للاستثمار خصوصاً مع نصائح صندوق النقد الدولي لدول الخليج لتقوم بعمليات أكبر وأوسع في تنويع اقتصاداتها وتحسين فعالية القطاع الخاص لديها. ومن شأن نصائح الصندوق ان تساعد في تحسين أداء أسواق السلع والخدمات، وتزيد القوة التنافسية وتتطور معها الكثير من القطاعات، وترتفع حجم التداولات وتتيسر في جميع الاسواق المالية بدول المجلس، فضلاً عن القوة السياسية التي ستكتسبها منطقة الجزيرة العربية كلها، فبحسب اخر تقرير لدى الصندوق فإن نسبة مساهمة القطاعات التي لا تعتمد على النفط في دول الخليج مجملة هي 1.8 في 2016م، ومتوقع أن تكون 3.1 في 2017م، وهو أقل بكثير مما يجب عليه أن تكون دول مثل دول مجلس التعاون الخليجي. ولعل البعض يخالفني في ذلك ويشكك في نجاح الوحدة النقدية الخليجية، مستشهداً بما حدث في التجربة الأوروبية مؤخراً، خصوصاً بعد السيناريو الأخير لخروج بريطانيا وعدم قدرة بعض الدول الأوروبية على تسديد مديونياتها رغم ارتباطها بتكتل قوي كان خير مثال يحتذى به لبقية التكتلات حول العالم.

لكن يمكن الإجابة على ذلك من ناحيتين: الأولى أنه ورغم الخسائر التي حصلت بسبب مديونية بعض الدول مثل اليونان إلا أن الفوائد الاقتصادية التي تحققت كانت تفوق تلك الخسائر بكثير، كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي أدى الى خسائر هائلة للاقتصاد البريطاني، ولازال ينزف من جراء ذلك حيث خسر الجنية البريطاني ما يقارب 20% من قيمته من أثر الخروج مع العلم أنه لايعد أساساً عضواً في اليورو، مما يثبت أهمية التكتلات الاقتصادية في تحقيق النمو الاقتصادي ورفع مستوى الرفاه الاقتصادي للمواطنين. أما من الناحية الاخرى، فإنه يجدر بالذكر أن ما حدث في مجموعة الاتحاد الأوروبي لا يعني بالضرورة حدوثه في منطقة الخليج، لأننا إذا ما كبرنا عدسة المجهر قليلاً سنجد اختلافات جذرية بين التكتلين، فدول أوروبا تختلف أساساًاختلافات محورية في نوع النشاط الاقتصادي وحجمة والعناصر الإنتاجية، فضلاً عن الاختلاف العرقي واللغوي والثقافي والعقائدي والسياسي والموقع الجغرافي أيضاً.

بالطبع لا ننكر حقيقة وجود بعض الفروقات في المؤشرات الاقتصادية القومية بين دول المجلس وبعض السياسات المتبعة، وحقيقة الاختلاف الجدلي حول مقر البنك المركزي الخليجي، والذي يجعل الاتحاد النقدي مقتصراً على الدول الأعضاء في اتفاقية الاتحاد النقدي، لكن هذا لا يعتبر حجة تُسبب في عرقلة المشروع النقدي، لأنه عند قياس صعوباته وتكاليفة فإنها لا تعد شيئا يذكر بالمقارنة مع المكاسب المتوقعه منه، والتي لابد أن تتماشى مع استراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول المجلس عام 1998م للأعوام من (2000م إلى 2025م) لتنمية قطاعات صناعية وتجارية وزراعية، ولن يكون ذلك بالأمر العسير لدول تتشابة في اللغة والعرق والثقافة والدين، خصوصاًوأن السجل السياسي والتاريخي نظيفاً وحافلاً بالكثير من مجالات التقارب والتعاون. لذلك من غير المعقول أن تمضي 7 سنوات من إقرار اتفاقية الاتحاد النقدي ولم يتم تنفيذ الكثير من الخطط والاتفاقيات، ودول المجلس تتمتع بموارد مالية ضخمة وثروة بشرية مؤهلة ومُنافِسة بجدارة، لا أقول أن يتم إلغاء العملة المحلية، بل على العكس لكل دولة الحق في أن تحتفظ بعملتها الخاصة وأن يكون لها خيار التبادل بين العملة المحلية للبلد وبين العملة الخليجية في كافة معاملاتها المحلية والخليجية.

وفي الواقع نحن لانملك الكثير من الوقت، لذا اتمنى أن يكون الدافع خلف هذا التأخير المُستغرب من الجهات المعنية وأصحاب القرارهو الهدوء الذي يسبق العاصفة، لأنه على الرغم من التأثيرالإيجابي للمرحلة الحالية للتكامل الخليجي وهي السوق الخليجية المشتركة، وانفتاح معظم قطاعاتها غير المالية على العالم الخارجي وارتباطها بالأسواق العالمية، وازدياد المبادلات التجارية بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول والتكتلات الاقتصادية في العالم إلى حوالي أربع أضعاف خلال عقد ونصف تقريبا، إلا أنه لازال دون الطموح والآمال التي يتطلع اليها أعضاء ومواطنو دول المجلس والدول المجاورة، ولا يجب أن يقف الأمر عند تحقيق الاتحاد النقدي فقط بل أيضا دفاع خليجي مشترك يدافع عن المنطقة بأكملها.

ماجستير اقتصاد وعضو في جمعية الاقتصاد السعودية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو