السبت 03 جمادى الثانية 1442 - 16 يناير 2021 - 26 الجدي 1399

الخصخصة سلاح ذو حدين

مشاعل الرشيد

بدأ العمل بمفهوم الخصخصة في بريطانيا، وانتقل بعد ذلك لعدد من الدول الأوروبية والعربية والإسلامية. وقد حققت برامج الخصخصة النجاح في بريطانيا ومصر والأردن الا انها فشلت في دول أخرى مثل: روسيا وماليزيا. لا يوجد تعريف موحد لمفهوم الخصخصة الا ان تعريفها السائد أنها فلسفة اقتصادية تعني تحويل ملكية الدولة لعدد من القطاعات الى القطاع الخاص بشكل كلي أو جزئي، ويكون على القطاع الخاص تشغيل وإدارة هذه القطاعات في إطار القوانين التي تضعها الدولة.

 ويتحقق ذلك بعدة طرق إما من خلال ملكية القطاع الخاص للوحدات الإنتاجية وإدارتها وتشغيلها أو من خلال اسناد المشروعات العامة الى القطاع الخاص وفقاً لعقود إدارة مع احتفاظ الدولة بملكيتها أو بتأجير هذه المشروعات للقطاع الخاص ليقوم بإدارتها وتشغيلها مقابل نسبة معينه من الأرباح أو وفق أجر محدد، وبذلك تتحمل الدولة وحدها المخاطر. بالإضافة أن نقل ملكية هذه القطاعات أو المشاريع الى القطاع الخاص يتم بعدة وسائل منها على سبيل المثال: بيع الشركات العامة الى مستثمر فرد أو طرح أسهم الشركات في السوق المالية طرحاً كلياً أو جزئياً (الاكتتاب العام) أو بيع أصول الشركات العامة من خلال المزاد العلني. كما تعد برامج الخصخصة من برامج الإصلاح الاقتصادي، وقد فرضتها المؤسسات التمويلية الدولية (صندوق النقد-البنك الدولي) كشرط لإقراض بعض الدول التي كانت تعاني من نقص في التمويل، وتراجع في الإيرادات، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع حجم الدين.

تسعى السعودية وفقاً لرؤية المملكة 2030 الى خصخصة 16 جهة حكومية وذلك خلال المرحلة الممتدة الى 2030 م. وقد تم تأسيس المركز الوطني للتخصيص هذا العام، والذي يعنى بالإشراف على برامج الخصخصة في القطاع الحكومي في إطار رؤية المملكة 2030، وبرنامج التحول الوطني 2020 بتفعيل 85 مبادرة تعد من ضمن المبادرات الاستراتيجية لوزارة الاقتصاد والتخطيط. جدير ذكره أن المركز الوطني للتخصيص يرتبط تنظيمياً بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية ذات الاستقلال المالي والإداري، ويسعى لخصخصة بعض الوزارات، وقطاع المواصلات، والخدمات العامة، وجهات أخرى. 

تهدف الخصخصة الى تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، وتخفيف الأعباء المالية على الدولة، وترشيد الانفاق، وتحسين الخدمات، ورفع كفاءة الإدارة والتشغيل، وتشجيع المنافسة، وفك الاحتكار، وتحفيز الاستثمار المحلي والاجنبي. كما أن دور الدولة سيختصر على إدارة القطاعات المهمة والحيوية من دفاع وأمن وقضاء مما سيساهم في إزالة التشوهات الاقتصادية، وخلق بيئة استثمارية جاذبه، والقضاء على البيروقراطية في القطاعات التي تديرها الدولة. بالإضافة أن للخصخصة دور مهم في مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة، ومواكبة التقدم التكنولوجي، وخلق فرص عمل جديدة. 

من خلال الخصخصة ستتحول الدولة من دور الرعاية الاجتماعية الى دوري الرقابة والتشريع، ويتحول المواطن من مستفيد الى مستهلك. فالقطاع الخاص جل ما يهمه هو جني الأرباح، لذلك سيحرص على تحسين الخدمات المقدمة، ورفع الإنتاجية، وزيادة الجودة الا انه يكتنف الخصخصة عدد من المخاطر يجب تجنبها لضمان نجاح عملية الخصخصة. فالقطاع الخاص قد لا يستثمر في قطاعات يراها مكلفة وغير مربحه، لذا يجب أن تظل تحت رعاية الدولة ومسؤوليتها. كما يجب تأهيل القطاع الخاص وفق خطة عمل تنظم المرحلة الانتقالية نظراً لعدم وجود تجارب سابقه بالمملكة تجنباً لاستخدام القطاع الخاص المحلي كوسيلة للقطاع الأجنبي للسيطرة على أصول الدولة. كما يجب توفير الحماية لموظفي الدولة تجنباً لتعرضهم للإقالة مع أهمية تطوير قدراتهم،وتحسين مهاراتهم بالعمل. 

الخصخصة سلاح ذو حدين قد تحقق نجاحاً باهراً وقد تحقق فشلاً ذريعاً، وذلك يتوقف على مدى سلامة وعدالة إجراءات نقل ملكية القطاعات من الحكومة الى القطاع الخاص، وقدرة الجهات المعنية على إدارة العملية، ومدى فعالية الأنظمة والقوانين، لذا من المهم مراعاة الاتي:
1-صياغة العقود (الإدارة والتأجير) مع الشركات الخاصة والمستثمرين بشكل صحيح.
2-حماية موظفي الدولة من الاقالة وتحفيزهم على الإنتاج والحفاظ على حقوقهم.
3-اصدار القوانين والأنظمة التي تضمن سلامة التنفيذ وتنهي الاحتكار القائم.
4-تأسيس جهة رقابية مستقله ترصد المخالفات وتعاقب المتجاوزين بصرامة.

5-حماية المواطنين المستهلكين للسلع والطالبين للخدمات بضمان عدم اتجاه الشركات والمستثمرين لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وأن تربط الأسعار بجودة السلع وكفاءة الخدمات بحيث تحدد الدولة حداً أعلى للأسعار التي يدفعها المواطنون.
6-تحديد حجم مساهمة الرأسمال الأجنبي تجنباً لسيطرته على أصول ومرافق الدولة (تحديد سقف الملكية).
7-أن يكون عمل الشركات وفق المعايير والمواصفات المعتمدةالتي تضعها الحكومة لتحسين الخدمات ورفع جودة المنتجات.
8-تحقيق النزاهة في التطبيق ومنع المحاباة في عملية اسناد ونقل ملكية القطاعات من الحكومة الى القطاع الخاص تجنباً لاحتكارها من قبل شركات أو مستثمرين معينين.
 
 
 

ماجستير قانون تجاري المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو