الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1442 - 26 يناير 2021 - 06 الدلو 1399

انطلاق التحكيم السعودي

عبدالعزيز بن عبدالله الخريجي

حقيقةً لم يكن للتحكيم بالسعودية تواجد وحظ بالمقارنة بحجم الاقتصاد السعودي وتشعبه، عدا بعض الحالات اليسيرة، وإن وجدت نجد غالباً أن عملية التحكيم قد نُفذت خارج السعودية، ويعزى ذلك لأسباب كثيرة منها: النظام، الفهم القضائي للتحكيم، غياب محاكم التنفيذ، الثقافة القانونية والتحكيمية، مجانية التقاضي؛ ما استدعى المنظم السعودي والجهات التنفيذية وبالتعاون مع جهات متعددة أهمها: مجالس الغرف والمحاميّن لإيجاد حلول لأسباب تعطل التحكيم والعزوف عنه من التجار والشركات السعودية. فبدأ العلاج بقيام السُلطة التنظيمية بتاريخ 24/05/1433هـ بإصدار نظام جديد للتحكيم مُلغياً نظام التحكيم لعام 1403هـ كلياً، الذي كان عائقاً رئيس للتحكيم واللجوء له، بل وحتى التفكير بالتحكيم من أساسه، لتعدد متطلباته النظامية الشكلية قبل البدء بإجراءات التحكيم والقصور النظامي الذي كان يعتريه وإقصائه للتحكيم الدولي وغيره من أسباب، فجاء النظام بثوب جديد وأحكام مسايرة للواقع ومحققاً للمرونة والأهداف المرجوة من التحكيم أهمها: السرعة، السرية وحرية الأطراف بإختيار القواعد الموضوعية. ثم بتاريخ 13/08/1433هـ أُصدر نظام محكمة التنفيذ الذي يشكل نقلة نوعية جوهرية في البيئة العدلية بالسعودية والذي نُص فيه بالمادة (09) على: " لا يجوز التنفيذ الجبري إلاّ بسند تنفيذي لحق محدد المقدار، حال الأداء، والسندات التنفيذية هي: ... 6-الأحكام والأوامر القضائية وأحكام المحكمين والمحررات الرسمية الصادرة في بلد أجنبي."، فإيجاد وتحديد جهة قضائية معنية بتنفيذ حكم التحكيم يعزز ويحفظ جهد ومصاريف ونتاج العملية التحكيمية. إلا أن المنظم والسلطة التنفيذية، قد أيقنا من الوقائع والتجارب السابقة أن إيجاد النُظم ليس كافياً لحث التجار والشركات السعوديةللتحكيم لفض الخلافات الواقعة بينهم خاصة محلياً، ولا يحقق التطلعات بأن تكون السعودية مركزاً إقليمياً للأعمال، كما لا يخفف من تدفق القضايا للمحاكم التي تكدست بها، الأمر الذي استلزم العناية بالتحكيم واقعاً تنفيذياً، فصدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (257) وتاريخ 14/06/1435هـ -باكورة الانطلاق الواقعي للتحكيم السعودي -بإنشاء اللجنة الدائمة لمراكز التحكيم السعودية والمركز السعودي للتحكيم التجاري، ثم صدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (107) وتاريخ 08/04/1437هـ، الذي جاء مُعدلاً مُصححاً لقراره رقم (257) ومعززاً للتحكيم وغاياته بنقل اللجنة الدائمة من وزارة العدل لمجلس الغرف السعودية، لتكون اللجنة الدائمة وإدارة المركز السعودي للتحكيم التجاري بين أروقة وبمتناول المعنيين أصولاً والمستهدفين من التحكيم. واللجنة الدائمة يديرها مجلس مكون من عدد (09) أعضاء، ويرأس الدورة الحالية سعادة الدكتور/ سعود بن عبدالعزيز المشاري لصفته مساعد الأمين العام للشؤون القانونية بمجلس الغرف، وعضوية كل من: فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله الزيد ممثلاً لوزارة العدل، المستشار القانوني/ عبدالعزيز بن سعود الدحيم ممثلاً لوزارة التجارة، الدكتور عايض بن هادي العتيبي ممثلاً للهيئة العامة للاستثمار، المحامي الأستاذ/ عبدالناصر السحيباني والمحامي الأستاذ/ عبدالله الفلاج ممثلين عن مجلس الغرف السعودية، فضيلة الشيخ/ عبدالعزيز المهنا وفضيلة الشيخ الدكتور/ ناصر الداوود والمحامي الأستاذ/ياسين خياط أعضاء من ذوي الخبرة والإختصاص. وتختص اللجنة الدائمة بما يلي: (1) الموافقة على إنشاء مراكز تحكيم سعودية وفروعها. (2) وضع معايير للمحكميّن وإعداد قائمة بأسماء المحكميّن في المراكز التي يرخص لها. (3) وضع معايير استرشادية لتحديد أتعاب المحكمين ومصاريفهم في المراكز المرخصة. (4) التنسيق مع مجلس الغرف بتشكيل مجلس إدارة مركز التحكيم السعودي للتجاري. وفي يوم الأحــد 01/01/1438هـ الموافق 02/10/2016م، تم تدشين المركز السعودي للتحكيم التجاري من قبل وزير التجارة والإستثمار، وبحضور كل من: وزير العدل ووزير الصحة ووزير الإسكان، كما تم إعلان قواعد المركز الإجرائية للتحكيم والوساطة متضمنة قواعد عمل المركز وجداول الرسوم والتكاليف للمحكمين والمركز، وبذلك تكون البيئة التحكيمية الإجرائية السعودية قد أُستكملت؛ للحد من التحكيم الحر محلياً وآثارها على العملية التحكيمية، والتوجيه برعايةٍ رسمية للتحكيم المؤسسي المحلي، عِوضاً عن اللجوء لمراكز خارجية أكانت إقليمية أو دولية لفض الخلافات التجارية السعودية، ليُباشر ويبدأ الأطراف دعوى التحكيم بشكل سلسل دون إضاعة وهدر الوقت والجهد في الإتفاق على القواعد الإجرائية وإختيار المحكمين وغيرها من سلبيات التحكيم الــحــر، ولتوفير عامل جذب للإستثمار بالسعودية، وبتعاون صريح وظاهر من الجهات التنفيذية لإزالة والرفع بأية معوقات قــد تعترض العملية التحكيمية أو نتائجها. فمع تدشين المركز السعودي للتحكيم التجاري، في بداية العام الهجري 1438هـ، يبدأ عُصراً وصفحة جديدة للتحكيم بالسعودية، وكل المقومات للنجاح وإنجاح التحكيم أصبحت قائمة، ولا أرى وجاهة للتجار السعوديين والشركاء والشركات السعودية للجوء للمراكز الخارجية أو الإمتناع عن الفصل تحكيمياً للمنازعات أو الخلافات متى وجدت، أو الأخذ بالتحكيم الحـر الذي ثبت بشواهد متعددة عدم مناسبته، في ظل وجود هذا المركز -الشبه حكومي -المدعُوم المرنّ في قواعده، المؤسس لإزالة أي عوائق تؤثر على التحكيم ونتائجه. إن وفقت وأصبت فمن الله وفضله والحَمدُلِله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العليّ العظيم لوالديّ ولي ولزوجتي وذريتي وإخواني والمسلميّن ونتوب إليه ..

محامي مستشار [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو