الاثنين 12 جمادى الثانية 1442 - 25 يناير 2021 - 05 الدلو 1399

الطبيب صنو المحامي

محمد الفهيد

احدى كليات الطب مدة الدراسة فيها أربع سنوات فقط ، ولا يشترط للقبول فيها تحقيق تقدير دراسي مرتفع أو درجات عالية في اختبارات معيارية ،  أما برنامج الدراسة فيها فهو مجموعة من المواد النظرية ليس فيها أي برنامج تدريبي. 

بعد التخرج ، توجه الطالب أحمد إلى إحدى المستوصفات الخاصة ليبقى متدرباً لمدة ثلاث سنوات ينحصر عمله في مساعدة الطبيب بتجهيز العيادة و أدواتها ومناولة الطبيب مقصات الجراحة والضمادات. انتهت الثلاث سنوات أتقن خلالها أحمد كل ما له علاقة بخدمة الطبيب ومعاونته وترتيب ملفات العيادة إلا أنه لم يكن قادراً ليكون الطبيب المعالج بنفسه ، ومع ذلك فبعد مضي شهرين فقط افتتح عيادته الخاصة في الطابق الثاني في نفس العمارة التي قضى فيها سنوات التدريب .

 مضت السنة الأولى وقد اتضح فيها تحسن أداء أحمد كطبيب بشكل ملفت ، حيث كانت لديه عدة حالات وفاة بأخطاء طبية في الأشهر الأولى ، بخلاف الأشهر الأخيرة فلم يقع إلا بعض حالات الإعاقة الدائمة والبسيطة المؤقتة إضافة لبعض حالات التشوهات اليسيرة لعدد من المرضى . لكن الجميل في الأمر أن الأداء يتحسن مع الوقت والأجمل الذي يزيد من ثقة الطبيب أحمد بنفسه وبمهنته أنه لا احد يحاسبه على هذه الأخطاء أو التعويض عنها وإنما المشكلة الرئيسية التي تواجهه في مثل هذه الحالات هي الخلاف مع المرضى على دفع التكاليف فالمريض يطالب بإسقاط التكاليف أو بعضها والطبيب يطالب بجميع الفواتير والتكلفة العلاجية المتفق عليها. ولعل من نافلة القول أن هذا الطبيب لم يطلب منه أي نوع من التأمين على أخطائه الطبية. 

من نفس هذه الجامعة ومن غيرها تخرج زملاء لأحمد متميزون دراسياً و حالفهم التوفيق بالالتحاق ببرامج تدريبية جادّة في أحد مستشفيات المدينة الكبيرة تحت إشراف أمهر الأطباء ، لكن هذه المستشفيات محدودة العدد فلم يعد يستوعب العدد الكبير من الأطباء الجدد إلا مستوصفات الأحياء الصغيرة. بل إنه نما إلى علم أحمد أن بعض المستوصفات تكدس فيها العدد من الأطباء المتدربون مع طبيب واحد حتى أنه أصبح يخصص لكل متدرب آلة طبية محددة يتعامل معها حصرياً طيلة الثلاث سنوات ، فأحد زملائه أضحى من نصيبه مقياس الحرارة والآخر يحضر القطن والأقمشة العلاجية والثالث كان من نصيبه الملعقة الخشبية الصغيرة التي يحشرها الطبيب بما أوتي من قوة في حلق المريض فيبقى طعمها في ذاكرة ذاك الطفل الصغيرالمكلوم لا يمحوه تراكم الأعوام و لا الحوادث العظام. بل بلغ الأمر ببعض المستوصفات أنها لا تعطي هؤلاء الأطباء المتدربين أية رواتب ، والأقل حظاً من أخلاق المهنة أصبح يشترط مبلغاً شهرياً لتدريبهم على مقياس الحرارة و الملعقة الخشبية. 
 
تدخلت الجهة المختصة فأنشأت برنامجاً تدريبياً لهؤلاء الخريجين الجدد يستوعبهم ويقدم لهم التدريب الموثوق ، وهي خطوة عملية كحل مؤقت اضطرت له هذه الجهة حتى يتحسن الأمر في الميدان وتزيد المستوصفات والمستشفيات من طاقتها الاستيعابية وكفاءة طواقمها ، لكن مع بداية البرنامج أدرك المتدربون أن التدريب ليس مجاني ، وأما الحصول على مقابل مادي فترة التدريب التي تمتد لعدة سنوات فإنه بدا في حكم المتعسر أو المستحيل.

أُدركُ أن الأمر ليس من اليسير التعامل معه ، لكن لا بد من تطوير المهنة على كافة الأصعدة ، ابتداء من القبول في الكليات و حصر أعداد الكليات حتى لا تغرق السوق بمخرجات ضعيفة زائدة عن الحاجة ، واعتماد هذه الكليات ومناهجها ينبغي أن يكون من قبل وزارة التعليم إضافة للهيئة المهنية المتخصصة التي ينتظر منها أن تعدّ الأطر الأساسية لاعتماد الكليات فلا يرخص في المهنة إلا من تخرج في كلية معتمدة . 

*وصفة طبية : لتكون الوصفة غير مفهومة للمريض – كما يفعل الأطباء- كتبتها لتُقرأ من اليسار لليمين :
(المحاماة بمكتب والمستوصف بالمحامي الطبيب استبدل ، صحيح بشكل المقال لتقرأ) 

أخيراً : فإنه في المقاييس والمعايير العالمية تجد أن مهنتا المحاماة والطب صنوان في معايير واشتراطات القبول في الجامعات وصعوبة الدراسة و اختبارات الترخيص لبدء مزاولة المهنة و الاستمرار فيها وأخلاقيات المهنة والعائد المادي منهما ، وهكذا ينبغي أن تكون على المستوى المحلي.  
 

باحث دكتوراه في الدراسات القضائية [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو