الجمعة 14 ربيع الأول 1442 - 30 أكتوبر 2020 - 08 العقرب 1399

القفز على نظام المحاماة بين القطاع العام والأهلي ؟

فيصل المشوح

تعتبر الاستشارات القانونية أحد الامتيازات الخاصة للمحامي الممارس، جاء في المادة الأولى من نظام المحاماة: (يُقصد بمهنة المحاماة في هذا النظام الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم، واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصها, ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية، ويُسمى من يُزاول هذه المهنة محاميًا، ويحق لكل شخص أن يترافع عن نفسه)فحسب ، فلاحظ أن النظام لم يمنح حق تقديم الاستشارات للغير، مع أنه منح حق الترافع للغير وهو ما أكدته اللائحة التنفيذية في الفقرة  18/10 : (لا يحق لمن له حق الترافع عن الغير استثناءً القيد في جدول المحامين الممارسين أو تسمية أنفسهم بالمحامين، أو تكوين الشركات المهنية للترافع عن الغير، أو اتخاذ مقرات لمزاولة ذلك، أو الإعلان عن أنفسهم بأي وسيلة من وسائل الإعلانات، أو إعداد مذكرات الدعوى، أو الإجابة عنها أو لوائح الاعتراض وذلك في القضايا التي لم يترافعوا فيها، أو - تقديم الاستشارات -)، مع أن النظام رخص لحالات محددة لحق الترافع إلا أنه منع تقديم الاستشارات القانونية بأي حال من الأحوال.

هذا الحديث يقودنا للظاهرة المزعجة في مهنة المحاماة بشقيها الترافع والاستشارات القانونية حيث أصبحت أحد المهن الأكثر انتحالاً والأسرع تسلقًا، فرغم ظاهرة (الدعوجية) القديمة وتنامي ترافع غير المحامين عن غيرهم  وتمتعهم بامتيازات المحامين رغم سلامتهم من جزاءات وآثار المخالفة التي تلحق بالمرخصين الممارسين , إلا أن برزت حالة أخرى ظلت تنتشر يومًا بعد الآخر وهي تقديم الاستشارات القانونية المجانية أو المدفوعة من قبل القطاع العام والأهلي, على سبيل المثال ما تقدمه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في (مستشارك العمالي) عبر موقعها وهواتفها، وما تقدمه مراكز المساندة القانونية بالمحاكم وما تقدمه مراكز البحوث في الجامعات وعدد من الهيئات والجمعيات المعنية بحقوق الإنسان في انتهاك صارخ لمهنة وصلب عمل المحامين.

بل إن الأمر تطور حتى سعت عدد من الجهات الحكومية بطلب الترافع عن الغير كما طالبت (تصفية) لجنة المساهمات العقارية الذي تحصّنت بعد أن حصلت على الاستجابة بحق ترافعها عن الغير حيث وافق مجلس الوزراء بإمكانية رفعها الدعاوي أمام الجهات القضائية وشبه القضائية نيابة عن المساهمين لجلب حقوقهم !، الأمر الذي يخشى معه أن تطلب كل جهة حكومية أو لجنة رخصة واستثناء للترافع والاستشارات القانونية في منافسة صعبة لقطاع المحاماة الذي يعاني من تكدس الخريجين من طلبة الشريعة والقانون دون وظائف ولا فرص في القطاع الخاص وذلك بسبب مزاحمة الجهات الحكومية والأهلية لعمل المحامين ومصالحهم .

ولقد تفطنت عدد من الدول العربية لهذا التجاوز فتصدّت له بكل شراسة وقوّة ففي البحرين رفضت الحكومة اقتراحًا مقدمًا من مجلس النواب بشأن إنشاء جهاز إداري باسم "الخط الساخن" بوزارة العدل يهدف إلى تقديم المعلومات بشأن الإجراءات المتبعة في المسائل القضائية.

وبررت الحكومة رفضها بأن تقديم الإفتاء والاستشارات القانونية والمعلومات مخالفًا لنص المادة رقم (19) من قانون المحاماة البحريني رقم (26) لسنة 1980 التي تنص على أنه : (ولا يجوز لغير المحامين ومكاتب الاستشارات القانونية الأجنبية المرخص لها أن يمارسوا بصفة منتظمة الإفتاء أو إبداء المشورة القانونية أو القيام بأي عمل أو إجراء قانوني للغير).

وفي الأردن تصاعدت حدة الجدل بين نقابة المحامين وبين مراكز المساعدة القانونية، حيث أصدرت النقابة بيانًا بعدم شرعية هذه المراكز وافتقادها القانونية بعملها وخاصة الاستشارات و المرافعات المجانية عن المحتاجين الذين لا يملكون قدرة على توكيل محامٍ خاص .

ونظام المحاماة السعودي كان حازمًا تجاه هذا التجاوز فعدّ منتحلاً لمهنة المحاماة كل شخص يترافع عن الغير أو يقدم الاستشارات القانونية جاء في الفقرة 37/1 : (يكون الشخص منتحلا صفة المحامي إذا قام بعمل يجعل له صفة المحامي ومن ذلك: فتح مكتب لاستقبال قضايا الترافع والاستشارات).

وعليه فإن الذي يظهر لي أن منازعة الحكومة والقطاع الأهلي لاختصاص أصيل من اختصاصات مهنة المحاماة ومنافسته له بالاستشارات القانونية المجانية أو المدفوعة أمر مخالف لأصول المحاماة ولائحتها و يترتب على ذلك أضرار بالمهنة، ومخالفة للأنظمة، وخلاف ما يجري عليه العمل في الدول الأخرى التي تقصر الشؤون القانونية والاستشارات على الجهات الحكومية بما يتعلق بمنسوبيها فقط دون الأفراد لأنها ليست طرفًا في العلاقة معهم.

وعلاج ذلك يمكن أن يكون من خلال التنسيق بين وزارة العدل وممثلو الهيئة السعودية للمحامين بإيجاد الحلول والاقتراحات لحل هذه القضية وإيجاد البدائل التي لا تتعارض مع مصالح المحامين ولا تضر بالمواطنين.

المحامي والمستشار القانوني fisalam @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو