الأحد 20 ربيع الأول 1441 - 17 نوفمبر 2019 - 25 العقرب 1398

إدارة المعرفة والتوظيف بالثورة الصناعية الـ 4

علاء الملا

تسعى المملكة للدخول مع بقية دول العالم الأول إلى عصر الثورة الصناعية الرابعة؛ ولكن "النية" وحدها لا تكفي، لأن بيئة العمل والبحث العلمي اللازمة لهذا النوع من الصناعة لن تتحقق إلا بنمط حياة متكامل محفز على الإبداع وليس فقط التشغيل التقليدي كما يحدث الأن، حيث إنتهت الثورات الثلاثة السابقة والتي كانت متلاحقة خلال الـ200 عام الأخيرة إكتفينا خلالها بالإستيراد والإستهلاك دون وجود بناء أي قاعدة معرفية؛ وسأسرد مختصراً للثورات الثلاث السابقة والثورة القادمة للوصول إلى الفكرة.

بدأت الثورات الصناعية في العصر الحديث بما سمي فيما بعد بالثورة الصناعية الأولى، والتي كان محورها الرئيسي هو تصنيع تقنيات البخار وتطبيقاته الميكانيكية، ثم دخل العالم إلى عصر الثورة الصناعية الثانية التي بدأت بإكتشاف الكهرباء وكانت نقلة كبيرة نعيشها إلى يومنا هذا، ولحقت بها في منتصف القرن العشرين الثورة الصناعية الثالثة المعاصرة والتي بدأت بإكتشاف الكمبيوتر وتطبيقاته وإرتباط كل حياتنا به تدريجياً. وها نحن اليوم ندخل بشكل متسارع إلى "مصطلحات" الثورة الصناعية الرابعة والتي ستنتقل بنا إلى عهد جديد في المهن والصناعات، وقد قلت "مصطلحات" لأننا مازلنا نتعرف على مصطلحاتها، ونحتاج إلى وقت كبير للدخول في "الصناعة" وليس فقط الإستيراد والإستهلاك الذي مارسناه بشراهة مع الثورات الثلاث السابقة فإستنزفنا ميزانياتنا دون أي بناء للمعرفة لدى أجيالنا المتلاحقة. 

بدأت بوادر دخول الثورة الصناعية الرابعة مؤخراً في المملكة بظهور الطباعة الثلاثية الأبعاد 3D Printing ثم تقنية النانو Nano Technology التي أصبحت جزء من المصطلحات الشائعة في الصناعة، والتجارة الإلكترونية E-Commerce التي باتت هي الوسيلة الأولى للوصول إلى العميل في المملكة إبتداء من تجار الإنستقرام إلى التطبيقات الإلكترونية المختلفة والتي توفر لنا جميع السلع والخدمات في حياتنا اليومية. والطاقة المتجدده Renewable Energy والتي بدأ بها الغرب مبكراً ودخلت فيها بلادنا بقوة لإيجاد بدائل لإستهلاك النفط وهو المصدر الغير متجدد، وستكون الإستعاضة مستقبلاً بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو غيرها من المصادر المتجددة خياراً مربحاً إقتصادياً وبيئياً. البلوكتشين Block-chain المرتبطة بشكل أساسي في بناء العملات الرقمية Crypto-currencies والتي يعتبرها البعض مستقبل للعملات في العالم، ونرى في الأفق الروبوتات Robotics والتي شهد 2017 الإعلان عن مدينة Neom والتي ستعتمد على الروبوتات وتقنيات الذكاء الصناعي Artificial Intelligence. 

وما ورد أعلاه هي "بعض من كل" الثورة الصناعية الرابعة ولكن الأهم في هذا المقال أن هناك العديد من الوظائف والتخصصات سيقل الطلب عليها وقد ينعدم تماماً. وهذا يقودنا للسؤال: ماهي تخصصات العمل في عصر الثورة الصناعية الرابعة؟ ستنتهي فعلياً 74% من الوظائف الحالية تدريجياً حيث ستنتقل إلى الروبوتات؛ وقد ذكرت تقارير صحفية أن 4.5 مليون وظيفة ستختفي تدريجياً من سوق العمل السعودي، كل هذا يعتمد على الجدول الزمني لتطبيق الأنظمة الإلكترونية سواءً في القطاع العام أو القطاع الخاص أو القطاع الثالث الذي يشمل الأعمال الخيرية والإجتماعية، ولما نشاهده من سرعة في إنشاء وتطبيق المنصات الإلكترونية الحكومية، فإنني أتوقع أن يسبق القطاع العام الجميع بتقليص عدد الوظائف وإلغاء ودمج إدارات وإلغاء البطالة المقنعة تماماً.

الوظائف التي ستكون في الطليعة والتي تفترض عدة مصادر وخبراء أن يتم إختيار تخصصات الأجيال القادمة بناءً عليها ستكون في مجال تقنية المعلومات والذي سيكون الأكثر خصوبة "دخلاً" بموجب تقرير أصدرته Glassdoor وفيما يلي بعض المسميات "مهندس البرمجيات Software Engineer ، مسؤول قاعدة البيانات Database Administrator ، عالم بيانات Data Scientist ، مهندس الجودة والتحليل QA Engineer ، محلل نظم Business Analyst ، أخصائي طباعة ثلاثية الأبعاد Printing Handyman". ولذلك فإن التخصصات الأهم في المرحلة القادمة هي التي تندرج تحت تقنية المعلومات وإدارة المعرفة، وماعدا ذلك سيتقلص تدريجياً حتى في مجالات مثل الطب، وكمثال معاصر نلاحظ أنه بعد تركيب أحد مستشفيات الرياض لمختبر متكامل يعتبر من ضمن قائمة الأكبر عالمياً ويعمل الكترونياً دون أي تدخل بشري، سيترتب عليه عند تطبيقه بكل مستشفيات المملكة، إنتفاء الحاجة للآلاف من خريجي تخصصات المختبرات!!. وإستبدالهم بروبوتات وعدد قليل جداً من البشر التقنيين المتخصصين في تقنية برمجة وتشغيل وصيانة الأجهزة الطبية، قد يكون المقال محبطاً ولكنه يتكلم عن الواقع الذي يجب أن نستعد له من الأن، ونساعد الجيل القادم في إختيار تخصصات تنقذه من البطالة.

كاتب ومدرب [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو