الأربعاء 12 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 - 06 العقرب 1399

الفيدرالي .. الأزمة والأدوات

نايف بغلف

أصبحت البنوك المركزية محل اهتمام الجميع والمتابعين للأسواق منذ بداية الازمة المالية في أواخر عام 2008 , ولم تكن البنوك المركزية تجذب الكثير من الانتباه او الأضواء من قبل تلك الأزمة ورغم تدخل البنوك المركزية في تلك الفترة لتخفيف من حدة الازمة واستخدام جميع أدوات السياسة النقدية سواء التقليدية او غير التقليدية لإتاحة الائتمان في النظام المالي والتسهيل من عملية الإقراض لإعادة عجلة دوران الاقتصادفان الانتقادات ماتزال تلاحق تلك البنوك المركزية من كل حدب وصوب وحتى وصل الامر الى الاتهامات بالخداع والتردد في اتخاذ القرارات بل والسعي لتدمير الاقتصاد!! ويعتبر الاحتياطي الفدرالي أكثر البنوك المركزية تعرضا للانتقاد منذ بداية الازمة وحتى اليوم، ومن تنبؤات اثبتت خطئها بارتفاع التضخم في الولايات المتحدة الى اتهامات بعدم اكتراث الفدرالي الا بالبنوك والمؤسسات المالية الكبيرة في وول ستريت دون غيرها الى تنبؤات بنفاذ ذخيرة الفدرالي في حال حصول ازمة مرة أخرى او في حالة الانزلاق الى ركود ووصولا الى الادعاء ان ليس لدية أي وسيلة للاستجابة لتلك الظروف او حتى التأثير على أسعار الفائدة. والحقيقة ان جل هذه الانتقادات ربما يكون مصدرها الحجم الضخم الذي وصل اليه المركز المالي للفدرالي من 900 بليون دولار قبل الازمة الى ما يقارب 4 ترليون دولار الان، وهذا الحجم الضخم من الأصول ربما يكون مصدر ازعاج لكثير من المستثمرين خاصة من وول ستريت وان ذلك المركز المالي يجعل من استجابة الفدرالي لأي ازمة او تباطؤ صعبا وغير فعال, وربما كانت الأمور واضحة قبل الازمة من حيث قيام الفدرالي بعملية السوق المفتوح بمفهومها الواسع ومن ضمنها عملية بيع او شراء السندات ومن ثم التأثير على القاعدة النقدية عن طريق الاحتياطيات البنكية وبالطبع فان أي تأثير على عرض الاحتياطيات ولو بشكل بسيط كان ممكنا نظرا للحجم الصغير للاحتياطيات في تلك الفترة، فاذا أراد الفدرالي ان يقوم بنفس التغير السابق فانة يتعين علية الان بيع كميات ضخمة من السندات والأوراق المالية للتأثير على منحنى العرض وقد يستغرق ذلك وقتا أطول مما يريده الفدرالي ويحدث تأثيرات غير مرغوبة في الأسواق واحداث تشوهات بمنحنى العوائد. ويبقى السؤال المهم مع جميع التغيرات التي حصلت خلال الازمة واهمها بالطبع ضخامة عرض الاحتياطيات، ماذا يستخدم الفدرالي لرفع الفائدة او استهداف نطاق (حد اعلى وأدنى) للفائدة على الأموال الفدرالية ((federal fund rate او ما يطلق علية الفدرالي عملية (Normalization)؟ في الحقيقة هناك أدوات مهمة تساعد الفدرالي في رفع الفائدة في واهما: 1-الفائدة على الاحتياطيات الفائضة ( (IOER: وهي الفائدة التي تدفع على الفائض من الاحتياطي الالزامي لدى الفدرالي وفي فترة ما قبل الازمة لم يكن يشكل ذلك الفائض جزء كبيرا من الاحتياطيات وذلك لارتفاع تكلفة الاحتفاظ بذلك الفائض او لارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لذلك الفائض مقارنة مع أسعار الفائدة في الأسواق انا ذاك، وبالطبع فان الفدرالي لم يكن لدية برنامج لدفع الفائدة على الاحتياطيات الفائضة في ذلك الوقت وهو ما يعني ان الفائدة الحدية للاحتفاظ بهذا الفائض قد ارتفعت الان وبالمقابل ان التكلفة الحدية انخفضت أيضا (خلافا لاعتبارات الأخرى كالاحتياج للسيولة الخ) و لهذا نجد ان الاحتياطي الالزامي لم يتجاوز ال 100 بلوين دولار بينما بلغ الاحتياطي الفائض 1.5 ترليون دولار في خلال 2012 وهو ما يظهر رغبةالبنوك في الاحتفاظ بالاحتياطيات الفائضة. والواقع ان دفع الفائدة على الفائض من الاحتياطي يتيح استخدامها كاداه من أدوات السياسة النقدية وبذلك يصبح سعر الفائدة على الفائض الأرضية (Reservation rate) او الحد الأدنى للإفراض من قبل البنوك بمعنى ان البنوك لن تقرض بفائدة اقل من سعر الفائدة على الاحتياطيات الفائضة وإلا فانة يمكنهم الحصول على سعر فائدة اعلى من الفدرالي (عديم المخاطر) دون الحاجة لتعرض للمخاطر الأخرى، وبالطبع فان ذلك لا ينطبق على جميع المؤسسات المالية العاملة في سوق الأموال الفدرالية) مثل صناديق النقد) او حتى بعض المؤسسات الشبة حكومية التي تحتفظ باحتياطي لدى الفدرالي دون حق الحصول على فائدة على هذه الاحتياطيات وهذا يساعد البنوك على الاقتراض بأسعار فائدة دون سعر الفائدة على فائض الاحتياطي من هذه المؤسسات ومن ثم القيام بعملية المراجحة ((Arbitrage والحصول على هامش الفرق في سعري الفائدة الناتج من سعر الفائدة على الأموال الفدرالية وسعر الفائدة على فائض الاحتياطي وتلك العملية تساعد على بقاء سعر الفائدة للأموال الفدرالية عند أسعار اقل من أسعار الفائدة على الاحتياطيات الفائضة . 2-الريبو العكسي (:(RRP وهي عملية اقراض لكن بضمان الأوراق المالية التي تكون في العادة اذونات الخزينة الامريكية ويقوم الفدرالي ببيع اذونات الخزينة مع تعهد بإعادة الشراء في وقت لاحق ويكون الفرق بين السعرين هو سعر الفائدة الذي يدفعه الفدرالي مقابل ذلك الاقتراض وتساعد تلك العملية الفدرالي على إدارة السيولة المتاحة في سوق الإقراض للأموال الفدرالية. ولان قاعدة المؤسسات المالية التي تستطيع الحصول على عمليات الريبو العكسي أكبر. وتشمل البنوك التي تستطيع الحصول على فائدة على فائض احتياطاتها وأيضا مؤسسات مالية أخرى فان هذه الأداة يكون تأثيرها أكبر على القطاع المالي ولها تأثير أيضا على سوق أسعار النقد بخلاف التأثير على سوق الأموال الفدرالية وأيضا تساعد على عملية جعل العرض من الاحتياطي أكثر ندرة وبالتالي وضع ضغط للأعلى على أسعار الفائدة في سوق الأموال الفدرالية وتساعد عمليات الريبو العكسي في عمليات المراجحه أيضا ( (Arbitrage في سوق النقد ,وبالتالي فان المؤسسات المالية المؤهلة لعمليات الريبو العكسي لن تقبل الإقراض بأقل من سعر الفائدة على عمليات الريبو العكسي وبذلك سيكون الأرضية لأسعار الفائدة في سوق الأموال الفدرالية وبطبيعة الحال فان تلك الأرضية ناتجة عن ان الإقراض للفدرالي يعتبر عديم المخاطر، وأيضا من ان تلك المؤسسات دائما ما ستقارن ما بين العائد الناتج من أي عملية اقراض وعملية اقراضها الفدرالي لمعرفة تكلفة الفرصة البديلة. وهناك نوع اخر من عمليات الريبو العكسي لكنه لأجال أطول او ما يدعىبال Term RRP) (وهو يكون لفترات قد تمتد لأسبوع او أكثر مما يساعد على سحب الاحتياطيات لمده أطول وبالتالي الضغط على أسعار الفائدة لمدد أطول. والجدير بالذكر ان عمليات الريبو المعاكس ستكون بوجود سقف اعلى للمزايدة عليها من قبل المؤسسات المالية ويعزى ذلك الى تسهيل عملية التحكم في ندرة الاحتياطي او بشكل اخر فان الفدرالي إذا ماراد سحب جزء أكبر من الاحتياطيات للمحافظة على سعر الفائدة للأموال الفدرالية فانة يقوم بطلب مبلغ أكبر للاقتراض (تتم عن طريق ما يشبه المزاد يعرض الفدرالي رغبة باقتراض مبلغ معين ومن ثم يتلقى العروض من المؤسسات المالية الراغبة بالإقراض في سوق الريبو العكسي حسب سعر الفائدة الأقل ثم الأعلى ويتم تحديد الحصص والسعر النهائي بطريقة يدخل في اعتبارها هل تم تغطية المبلغ بالكامل ام لا واعتبارات أخرى لا يتسع المكان لشرحها هنا ) . ويجب ان نشير الى ان كون سعر الفائدة على الاحتياطي الفائض ((IOERهو الأرضية لإقراض البنوك لا يتعارض مع كونه السقف الأعلى للإقراض في سوق الأموال الفدرالية وذلك لأنه لا يمكن لجميع المؤسسات المالية العاملة في هذا السوق الحصول على فائدة على فائضالاحتياطي ونفس الامر ينطبق على سعر الفائدة للريبو العكسي كونه الأرضية لأسعار الفائدة في سوق أسعار الفائدة الفدرالية وبذلك يتحرك سعر الفائدة للأموال الفدرالية في قناة ما بين هذين السعرين التي تشكل الحد الأعلى والأدنى لسعر الفائدة او النطاق وذلك دون الحاجة الى تحريك منحنى عرض الاحتياطيات بشكل كبير. وأخيرا فان الازمة المالية الأخيرة ساعدت على تطبيق طرق جديده للحصول على نتائج كان يمكن الحصول عليها قبل الازمة بطرق تقليدية مثل عمليات السوق المفتوح والأدوات المتاحة فيها ومن الغريب ان الازمات بالذات تجعل من أفكار ربما لم تكن واردة في السابق الطريقة الأمثل لحل مشاكل العالم المالية والمساعدة على ثبات النمو وأيضا التوسع الاقتصادي فلنا ان نرى ان أمورا كانت من مسلمات الكتب الاقتصادية لم تعد تأثر على السياسة النقدية بالطريقة المرجوة وان أفكار أخرى قد حلت مكانها في امور تعد من اكثر جوانب النظرية الاقتصادية تعقيدا كالسياسة النقدية فمن رحم الازمات يولد الابتكار والتطوير.

baghlaf_Naif @ المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو