الأربعاء 12 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 - 06 العقرب 1399

حماية المنشآت الصغيرة في الأزمات

عبدالخالق بن علي

نحن الأن نمر بأزمة اقتصادية هي الثانية بعد أزمة منتصف الثمانينات الميلادية من حيث الشدة وقد تفوقها في الأثر مستقبلا . ربما لم يشعر المجتمع بوطأتها بعد وخصوصا أصحاب المنشأت الصغيرة ، رغم أنها بدأت من منتصف العام 2014 بتراجع أسعار النفط وإستمرار التراجع حتى بلغت الأسعار 26 دولار للبرميل نزولا من 115 دولار ، وهي الأن مستقرة بين 45 و 50 دولار. ونتيجة لذلك وللظروف السياسية المتمثلة في الحروب في المنطقة وللظروف الاقتصادية بالتباطؤ الذي أصاب أهم الاقتصادات العالمية وخصوصا الصين ، ومن أجل نقل الاقتصاد السعودي من اقتصاد ريعي إلى إقتصاد إنتاجي إتخذت المملكة سلسلة من القرارات الإقتصادية التقشفية لخفض الإنفاق الحكومي إلى أدني قدر ممكن ، وقرارات تصحيحية لرفع كفاءة الإنفاق ، وقرارات تهدف لتنويع مصادر الدخل العام . وكل تلك العوامل والقرارات ستؤدي إلى تراجع حاد في الإنفاق الحكومي وتبعا له الإنفاق الخاص بما فيه إنفاق الأفراد. تأخر شعور المجتمع وبما فيه القطاع الخاص وتحديدا المنشأت الصغيرة بالازمة لتأخر خفض الإنفاق الحكومي بسبب المشاريع القائمة والسحب من الأرصدة ، لكن المنشأت العملاقة تأثرت من بداية الأزمة تقريبا نتيجة لتوقف كثير من العقود الكبيرة وتأخر صرف المستحقات ، وتأثرت تبعا لها المنشأت العاملة معها من الباطن . أما المنشأت الصغيرة والمتوسطة مع بقية المجتمع فسوف يبدأون في الشعور بآثار تلك القرار التقشفية خلال الأشهر القادمة وتحديدا بعد صدور الموازنة العامة للدولة ، وتراجع حجم الإنفاق الحكومي فيها بشكل كبير. والحقيقة أن التأثر بدأ فعلا من هذا الشهر الميلادي (الكوكبي) بخصم البدلات وعدم صرف العلاوة لهذا العام ، وسينعكس ذلك مباشرة على نفقات الأفراد والأسر مما يعني تأثر عوائد المنشأت الصغيرة والمتوسطة ، وأعتقد أن بعض المنشأت بدأت فعلا بالتأثر بالأزمة. لكننا مازلنا في بدايتها للأسف ، وسوف تتصاعد خلال الأشهر القادمة وتشتد مع بداية العام 2018 عند تطبيق ضريبة القيمة المضافة على مستوى دول الخليج . المنشأت الصغيرة والمتوسطة تعاني أكثر من معاناة المنشأت الكبيرة في الأزمات، لذلك يجب أن يتخذ أصحابها إجراءات إحترازية للحفاظ على بقاء منشأتهم قائمة خلال تلك الفترة العصيبة التي قد تمتد لثلاث سنوات على الأقل . فما هي أهم تلك الإجراءات التي يجب على أصحاب المنشأت أو مديريها إتخاذها لتفادي الإفلاس والخروج من السوق ؟؟ نقص السيولة أحد أهم أسباب إفلاس الشركات في العالم ، حيث يؤدى نقصها إلى دخول الشركة في أزمة مالية مع الدائنين والموظفين والموردين ، وبالتالي مطالبات وربما محاكمات تؤدى في النهاية إلى إلزام الشركة بدفع إلتزاماتها ومالم تكن لديها سيولة فإنها سوف تلجأ إلى بيع الأصول وربما تصفية الشركة نهائيا . وحتى يتفادى صاحب المنشأة الصغيرة هذه المشكلة يجب أن يحتفظ بسيولة تكفي لتغطية إلتزاماته المختلفة لثلاثة أشهر على الأقل ، وأن يبقى ذلك الإحتياطي النقدي لديه شبه ثابت بإستمرار تفاديا لأي مفاجأة قد تستنزف السيولة . التوسع غير المدروس بعناية فائقة من الأخطاء التي تقع فيها بعض المنشأت الصغيرة وقت الأزمات وتحديدا بداية الأزمة ، ونتيجة لذلك التوسع تدخل المنشأة في إلتزامات قد لا تستطيع الوفاء بها في الوقت المناسب مما يعرضها للإفلاس ، حتى وإن كان ذلك التوسع من مدخرات الشركة فإنه قد يفقد الشركة أموالا أحوج ما تكون إليها سائلة . ومما قد يحدث بعد التوسع غير المدروس أن يكون ذلك التوسع غير مجدي اقتصاديا في ظل الأزمة الإقتصادية ، وبالتالي يسبب للشركة خسائر قد تؤدي إلى إفلاسها أو إدخالها في أزمة مالية كانت في غنى عنها . الإقتراض في الإزمات أشبه بالقفز في الهواء ، فالمؤسسة التي لا تملك خططا دقيقة وواضحة ومضمونة وقت الأزمة يجب ألا تدخل في ديون مهما كانت التسهيلات مغرية ، لأن أهم مشاكل الأزمات أنها تستنزف السيولة النقدية بشكل كبير ، والإقتراض يعني إغراء في الإنفاق مع عدم وجود عوائد مجزية والنتيجة المؤكدة عجز عن الوفاء بذلك الدين أو تلك الإلتزامات أي الإفلاس قطعا ، وربما السجن . العمل على خفض النفقات الثابتة وغير الضرورية إلى أدنى قدر ممكن ، مثل إلغاء خطوط الهاتف الزائدة أو غير المستفاد منها عمليا ، العمل على خفض الإجارات ، التخلص من الوظائف غير الضرورية والمجدية وغيرها الكثير من النفقات الثابتة . كما يجب العمل على خفض التكاليف المتغيرة أو التشغيلية التي لا تعطي العوائد الكافية مثل إيقاف المنتج الذي لا يحقق هامش الربح الكافي إلا إذا كان ذلك المنتج ضروريا خفض عدد سيارات التوزيع بموظفيها . المهم هنا أن يحرص صاحب المنشأة على خفض نفقاته بمختلف أنواعها إلى أدنى حد ممكن ، ورفع كفاءة نفقاته الأخرى إلى أعلى قدر ممكن . وهنا يظهر إبداع كل شخص بالتعرف على مجالات الهدر المالي وإيقافه ، ووضع النفقات في موضعها الصحيح . بعد كل تلك الإجراءات يجب أن يتحلى صاحب المنشأة بالصبر وعدم إستعجال الربح ، ففي الأزمات تعد المحافظة على المنشأة قائمة وتستطيع تغطية تكاليفها والبقاء حتى تصل لبر الأمان إنجازا كبيرا . وبعد ذلك فإن النجاح المذهل هو حليف المنشأة التي صمدت وقت الأزمة لأن خبرتها تساعدها على تحقيق أعلى نسبة أرباح مع بداية إنفراج الأزمة ، وتصيد الفرص التي لا يراها غيرهم .

[email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو